دراسة حول: تعديل المناهج التربوية والسلوك التربوي في الجمهورية العربية السورية

بقلم: عصام خوري

12/10/2010download (9).jpgانتهى عهد الحفظ “البصم” وجاء عهد التفكير والإبداع للطالب.
هكذا حاولت الدورة التأهيليه للمدرسين التي أعدتها وزارة التربية “يوم 2ايلول وعلى مدار أربعة أيام متواصلة، لتتبعها عدة دورات متلاحقة كان ختامها يوم 17أيلول” أن تبرزه للمدرسين، حيث تبين أن هدفها الرئيسي يكمن في ضرورة تغير طريقة التعليم التي ينتهجها مدرسي القطر العربي السوري.
طبعا الفئة المستهدفة من هذا التدريب كانت 40 ألف معلم ومعلمة، يدرسهم على هذه الإستراتيجية التدريسية الجديدة 2500 مدرب ومدربة “هم في الأساس مجموعة من المدرسين المكلفين بالتعليم بهذه الطريقة خلال العام الدراسي 2009-2010” .

تعديلات وزارة التربية الأخيرة:
صرحت الوزارة أن هدفها الرئيسي من التدريب هو:
1- تدريب الموجهين الاختصاصيين والتربويين على المناهج الجديدة التي بنيت وفق وثيقة المعايير الوطنية ليصبحوا مؤهلين للتدريب في الدورة الفرعية والتدريب الميداني للتعرف على الجديد في المناهج التعليمية المطورة
2- التدريب على تنفيذ الدروس بشكل عملي بحث تستخدم استراتيجيات و طرائق التدريس الفعالة.
3- التدريب على تصميم دروس نموذجية وفق المناهج الجديدة
4- التدريب على تصميم أدوات تقويم واختبارات تقويمية متعددة.
لكن الوزارة لم تبين السبب الحقيقي لهدف تغيير إستراتيجية التعليم عند المدرسيين، فمع وصول الوزير علي سعد للوزارة شهد قطاع التعليم جدلا واسعا في عموم المدارس السورية، فبرزت في عهده عده قرارات جرئيه ونوعية سببت جدلا واسعا بين العاملين في هذا القطاع ولعل من أهمها:
1-قرار منع المدرسين من ضرب الطلبة: وكان هذا الأمر بمثابة الكارثة عند بعض المدرسين وخاصة القدماء منهم، وبإمكان الزائر لغرف المدرسين يوميا سماع احتجاجات المدرسين المتواصلة حول هذا الأمر، والكثير منهن بات يستشهد بحكايات عن دخول الشرطة للحرم المدرسي واقتيادهم لمدرس أو لمدير مدرسة بصورة مذلة أمام مرآة عيون الطلبة.
2- قرار إغلاق المعاهد الخاصة المعنية بتدريس الطلبة، وتحويلها لرخصها الأساسية كمعاهد تعليم لغة: وقد أثار هذا القرار أيضا حفيظة الكثير من الأهالي الذين فقدوا ثقتهم بالمدارس الرسمية نتيجة انتشار الفوضى فيها، وتسرب المدرسين، وتفاوت سوية الطلبة في القاعة الصفية، وكثافة الطلبة في القاعة الصفية مما يعيق العملية التربوية برمتها.
3- قرار المجمعات التعليمية: واعتمدت الوزارة في قرارها هذا على تجميع كل مدارس المرحلة الثانوية في المحافظات إلى مجمع طلابي واحد يكون في منطقة متطرفة نسبيا من المدينة، وقد اثار هذا القرار حفيظة آهالي الطلبة الذين باتوا مجبرين على تحمل نفقات إرسال أبناؤهم إلى المدارس، بدل أن كانت المدارس مجاورة لمنازلهم. كما أصبحت هذه المجمعات عبارة عن “كنتون” بشري ضخم من الطلبة يصعب حقيقة السيطرة عليه، مما استدعى تجهيز مخفر شرطة في داخل هذه التجمعات، تحسبا لأي إشكال ينجم بين الطلبة.
4- قرار تحول ملاك المدرسات المنقبات إلى وزارات أخرى: وقد أثار هذا القرار حفيظة الطرف المتدين في سوريا، حيث عد هذا القرار بمثابة تضييق على الحركة الإسلامية في سوريا، علما بأن هذا القرار مطبق في الإمارات العربية المتحدة، ولم يحدث أي ضجة هناك، رغم التدين الخليجي الواضح.

فكرة تعديل إستراتيجية التدريس:
إن المراقب للقرارات الأربعة سالفة الذكر، يجب عليه ربطها بمطلب تغيير إستراتيجية التعليم كي تكتمل اللوحة العامة لفهمنا سبب التغير الكبير في رؤية الوزارة للتعليم في سوريا. إن التعليم في سوريا يمر بمرحلة فاصلة حقيقة، فبعض المعنيين في الوزارة يسعون لتحويل المناهج في سوريا نحو الطريقة الأميركية في التعليم، بعد أن أدركوا أن هذه الطريقة هي الطريقة الأكثر انتشارا اليوم في دول العالم، خاصة مع انتشار ثقافة التعليم الالكتروني، والتعليم عن بعد، سواء في المدارس أو الجامعات.
المشكلة الأساسية في انتهاج هذه الطريقة هي غياب كوادر مؤهلة للتعاطي مع هذا الأسلوب، والمشكلة الأهم هي غياب الحوافز الوظيفية للعاملين في الوزارة لتغيير سلوكهم، هذا بالاستثناء عن غياب المكان والأدوات، وغياب الوعي الأسري والمجتمعي للتعاطي مع هكذا طرق.
عند هذه المشاكل الأساسية نجد تساؤل هام، لماذا الوزارة مصرة على خطتها هذه، وهي فعليا غير ناضجة تماما لمارستها؟
يجيبنا نائب الوزير: “التغيير تدريجي ومع مرور الوقت ستلمسوا نتائج هامة، ونحن نفتخر بالمناهج الجديدة التي تطور الرؤية عند الطالب”.
عند هذا الجواب نتوقف بتمعن، الوزارة تدرك تماما أنها غير مهيأة، خاصة مع اصطدام المدربين والمنتدبين من هيئة تعديل المناهج مع المتدربين من المدرسين، وخاصة أصحاب الأعمار الكبيرة، حيث يعترف هؤلاء أنهم غير قادرين على اعتماد تقنية “البور بوينت” ومنهم من هو عاجز عن فهم تقنية الحاسوب من أساسها، ومنهم من يشكك حتى اليوم في محتوى الانترنيت العلمي، ومنهم من صرح علانية عن عدم قدرته المادية على الحصول على المعلومة الحديثة حتى وإن كانت عبر الانترنيت.
والآن لندخل في عمق مادة تعديل إستراتيجية التعليم:
تعد مؤسسة “بورد سورس” الأميركية الرائد الأهم في العالم بين المؤسسات المعنية في وضع استراتيجيات المؤسسات وتعديلها، وكان لي الشرف قبل أعوام أن أكون ضمن الفريق المعني بتعريب أخر أدلتها التدريبية في ما يدعى “الحكم الرشيد” ونتيجة لهذا الأمر، استطيع أن أعطي لنفسي سمة المراقب والناقد للدليل التدريبي الذي انتهجته الوزارة ساعية منه نحو تعديل إستراتيجية التدريس، وهنا أوجه الملاحظات التالية:
1- كانت ترجمة المصطلحات ترجمة رديئة جدا، وتسبب لغطا كبيرا عند المتلقيين.
2- جرت عملية خلط كبيرة بين الأهداف الإستراتيجية وآلياتها، مما يدلل على ضعف واضع الدليل التدريبي.
3- لم يميز الدليل بين الأهداف البعيدة له، والأهداف المرجوة حاليا.
4- شهد الدليل خلطا بين الرؤية العاملة للدليل وأحد أهدافه
5- جاءت التدريبات غير مراعية لظروف المكان، وهذا بحق يعد خطأ مدمرا في الدليل.
6- الدليل لم يكن مرناً، وكان غنيا بالتكرار وعبارات الحشو.
وهنا كان من الأفضل على الوزارة أن تتعاقد مع مؤسسة محترمة ومعنية في عملية التخطيط الاستراتيجي، حتى لو كلفها هذا الأمر موازنة مالية كبيرة، لان نتائج إعداد دليل تدريبي محترف للمدربين ستكون أكثر من مفيدة على المدى الطويل.

ملاحظات على المدربين:
هناك فارق بين المدرس والمدرب، وللأسف الوزارة لم تراعي هذا الأمر، فاعتمدت على مدرسيين في نقل معلومات الدليل لزملائهم المدرسين، وهنا يلاحظ الأمور التقنية التالية:
1- عدم قناعة المدربين أساسا بالمنهج التدريبي.
2- عدم تملكهم من أدواته.
3- عدم وجود حوافز إنتاجية لعملهم، مما جعلهم يستهترون به.
4- عدم معرفة المدربين لآليات التعاطي مع المتلقين من أعمار متفاوتة.
5- استخدام المدربين للغاتهم المحلية، رغم طلب الوزارة من المتلقين العمل باللغة الفصحاء.
وهنا كان من الأفضل على الوزارة الاستعانة بخبرات تدريبية احترافية أيضا، حيث من المعيب أن يكون المدرب أضعف من مستوى المتلقي، ولا يمتلك حجة مقنعة لإقناع المتلقي بأهمية محتوى الدليل. وهذا ما جعل التدريب بمثابة اعتقال زمني لبعض المتلقين، مما جعلهم يطرحوا الفوضى في قاعاتهم التدريبية، وهذا ما أدى لفشل التدريب فشلا ذريعا.
مما حول وجهة التدريب من حالة قناعة للمتلقي بهدفه، إلى حالة رضا قسري بضرورة تطبيق هذا الدليل رغم قناعته المتلقي بعدم جدواه، وعدم قدرة الطالب مستقبلا على التكيف معه.

ملاحظات حول طرائق التدريس:
جاءت طرائق التدريس خجولة جدا، وتقليدية، مما يدلل أن المعني في وضعها، كان ضعيف الخبرة والممارسة في هكذا مجال، حيث تكررت عبارة العصف الذهني بشكل دائم وكان المتدربين يتغزلون بها، وكأنها أهم الطرق وأحدثها في العالم. والمضحك بالموضوع أن طريقة العصف الذهني هي طريقة يستخدمها كل المدرسون أساسا لكن دون تسميتها بهذا الاسم. والغريب افتقار طرائق التدريس إلى طرائق شديدة الأهمية في العلوم الإدارية وهي:
1- لغة الجسد.
2- الاستقراء.
3- تحجيم المتلقي.
4- السيطرة على القاعة.
5- تنويع طبقات الصوت.
6- الحركة في المكان.
7- آلية شغل المتلقي.
8- بالإضافة للكثير من الطرق التي لن نتطرق لها….
إن غياب معرفة المدربين بهذه الطرق، وعدم تضمينها للدليل التدريبي يثبت إثباتا قطعيا أن واضع الدليل التدريبي، هو شخصية غير احترافية.

تعديل المناهج:
تكلفت الوزارة مشكورة في تعديل الكتب المدرسية، كما قامت بنشرها الكترونيا على موقع وزارة التربية، وفي كل الاختصاصات، مضيفة إليها دليل صف المدرسين في كل مادة، وهذا بحق يعد تطور في فهم كيفية توصيل الرسالة لهدف تعديل المناهج. وكانت المناهج الجديدة غنية بالرسومات التوضيحية والمعلومات الجانبية التي تلفت نظر الطالب لضرورة البحث بشكل أوسع، وهذه الطريقة نراها دائما في الكتب الأميركية، لكن الفارق بين الكتب الأميركية والأوروبية مع كتبنا يكمن في تحديث المعلومة، في حين يطالب الدليل التدريبي من المدرسيين الانفتاح على المعلومات الحديثة.
الخسارة المالية: إن كلفة طبع الكتب المدرسية الجديدة ترهق موازنة الدولة السورية، ولكن هذا الإرهاق هو إرهاق جميل ومثمر لمستقبل الأجيال السورية. على أن لا يكون مثقلا بالأخطاء العلمية والنظرية، وإلا ستتحول الوجهة العامة للتعليم نحو وجهة سلبية، مما يسبب بعدا كبيرا بين فكرة المصادر المفتوحة، وثقة الطالب بأهلية المنهج التدريسي.
لذا كان من المفيد للوزارة أن تعتمد على خبرات مشهود لها في صياغة النص العلمي للمادة المقدمة في الدروس، وتدعمها بفريق من الخبراء المميزين لهدف مراجعة النص قبل طباعته.

أدوات التدريس:
سعت الوزارة إلى دعم المجمعات الطلابية بالكثير من التجهيزات الحديثة “داتا شو” وحواسيب، دعما منها لمشروع تحديث المناهج، وهذا بحق يعد توجه طيب وذكي من الوزارة، لكن الوزارة وعبر إمكاناتها المالية المتواضعة نسبيا، كانت عاجزة عن تزويد كل مدارس القطر بهذه الأدوات، مما جعل الريف متخلفا عن المدينة، وهذا بحق قد يؤدي لمشاكل جمّة مستقبلا، فغالبية طلبة الريف المجاورين للمدن سيسعون للتسجيل في مدارس المدن، وهذا ما سيؤدي لفوضى يصعب ضبطها سواء إداريا أو حتى إنتاجيا.
فأغلب المدارس في المدن لا تحوي سوى على جهاز واحد “داتا شو”، وهذا لا يغطي حقيقة تعداد المواد في كل قاعة صفية، مما يبين أن الوزارة وحتى في مدارس المدن لن تستطيع تحقيق هدفها العلمي الرفيع.
كما من أهم طرائق التدريس الحديثة هي تقسيم القاعة الصفية إلى ورش عمل طلابية، لكن تحقيق هذا الامر يتم في حالة واحدة، وهي أن تتوفر المقومات الصفية التالية:
1- وجود طاولات مستديرة كبيرة يجتمع فيها الطلبة لهدف النقاش.
2- ضرورة تغيير شكل المقاعد الصفية من صورتها الحالية، نحو صورة طاولة مفتوحة واحدة.
3- ضرورة عدم تجاوز تعداد الطلاب في القاعة الصفية ما عدده 25طالب كحد أعلى.

الحلول المقترحة:
نتوجه الآن بجملة اقتراحات للوزارة ونتمنى أخذها بعين الاعتبار لما فيها خير لتجربة الوزارة وللموطنين كافة:
1- الجانب العلمي:
1. الاعتماد على فريق علمي مشهود له في مراجعة الكتب المدرسية، والقيام بتعديلات عليها قبل أمر طباعة نسخ جديدة منها.
2. تحضير دليل مفهرس بتصحيح الأخطاء للطلبة الذين يملكون كتبا قديمة.
3. توزيع قرص مدمج للنسخ الجديدة من الكتاب الجديد.
4. التعميم في القناة التعليمية على أحدث المكتشفات العلمية.
2- الجانب التنظيمي:
1. نقترح أن تحول موازنة وزارة التعليم أولا نحو دعم المدارس في الأرياف، لتتبعها بعدها خطوات دعم للمدارس في المدن. وعلينا في هذا الأمر مراجعة التجربة التعليمية الصينية.
2. نقترح تقسيم الطلاب في كل قاعة صفية إلى مجموعتين، بحيث لا تتجاوز المجموعة الواحدة ما عدده 25 طالب “واحدة تداوم صباحا والأخرى بعد الظهر”. وهذا سيؤدي حتما إلى إعادة نظام الدوامين المدرسيين، لكنه سيعم بالفائدة على الطلبة والمنهج التدريبي.
3- الجانب التدريبي:
1. اعتماد الوزارة على شركة تدريب محترفة، لهدف تطوير المدرسيين، وخاصة الشباب منهم.
2. ضرورة اعتماد طرائق تدريبية مبتكرة.
3. ضرورة رفع راتب المدرسين، كي يتعاطوا بشكل حضاري مع الطلبة.
4. ضرورة إدراج ما يسمى الحوافز الإنتاجية، للمدرسيين المبدعين.
5. ضرورة تحييد المدرسين القدامى نحو وظائف إدارية فقط. “وخاصة من هم غير قادرين على مواكبة التطور العلمي”.
6. ضرورة تخصيص موازنات حقيقية لربط الشبكة العنكبوتية مع المدارس.
7. دعم مكتبة المدارس بأحدث الإصدارات العلمية والأدبية، ولا مانع من إدراج مكتبة الكترونية للطلبة في المدارس.
الجانب الإداري:
1. ضرورة إخضاع المدراء والإداريين في كل مدرسة لدورات تخطيط استراتيجي وحكم رشيد، قبل تسليمهم لمناصبهم.
2. ضرورة تفعيل دور المرشد النفسي في المدارس.
الجانب التربوي:
1. ضرورة إلغاء ما يسمى النجاح الدوري للطلبة في صفوف المرحلة الابتدائية.
2. ضرورة تعيين فريق تدريسي مهمته إعادة تأهيل الطلبة القريبين من الأمية في المدارس الإعدادية.
3. ضرورة متابعة عملية تسرب الطلبة من المدارس، وربط هذا الأمر مع وزارة الداخلية.
4. ضرورة إعداد المرشد النفسي لتقارير دورية عن وضع الطلبة خارج المؤسسة التعليمية، والبحث مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حول ظاهرة عمالة الأطفال.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s