تقرير: حزب الله وتنسيقه الخارجي

بقلم: عصام خوري

07/09/2008

مثل حزب الله بعد حرب تموز معادلة يصعب حلها أمام الجانب الإسرائيلي، وتوازن جيو-سياسي في المحور الإيراني السوري الروسي، عنوانه احترسوا واحسبوا حساب لبنان شيعيا.
فحزب الله هذه الكتلة الحزبية المترابطة شعبيا وتنظيميا ودينيا تفوقت على جميع الأحزاب العربية دون استثناء في مستوى تنظيمها الداخلي، والتزام فصائلها بسياسة القيادة السياسية والجناح العسكري الذي مكن أبناء الجنوب من الدفاع عن قراهم، وفق استراتيجيه الالتزام والقناعة بسياسة حزب الله، وترسيخ مفهوم الشهادة وأجرها الكبير عند الله سبحانه وتعالى.14.jpg
وساهم في نجاح هذا الحزب عدة أمور ندرج بعضها الآن:


– الفقر والتهميش الرسمي لأبناء الجنوب من جانب الخدمات والتنمية.
– وضوح هدف الحزب، وتوضيح سمات عدوه، وأولوية التعاطي معه.
– الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني.
– البنية الخدمية العالية التي وفرها هذا الحزب لأبناء الجنوب.
– تكريم الشهداء والتزام بأسرهم بعد الشهادة.
– قناعة الحزب بالمذهب الإثني عشري وتفاعله الموضوعي مع الإحساس الديني الكامن في نفوس المواطنين الجنوبيين.
– نضج رؤية قيادة الحزب لمدى التفاوت الطائفي في لبنان، وعدم الانسياق البعيد في الحرب الأهلية اللبنانية مع هذه الطوائف.
– احتضانه لتطلعات الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان.
– وجود موارد مالية كبيرة وغياب التصريح بحجمها مما يغيب أية تساؤلات في وجود أية آلية لتطبيق معايير الحكم الرشيد وخاصة مفهوم الفساد داخل الحزب أو في مستوى الخدمة الاجتماعية التي يقدمها.
– كاريزما الشخصيات القيادية المتوالية في الحزب “عباس الموسوي، حسن نصر الله، نعيم قاسم ” وأثرها على الشارع الشيعي، وخاصة حسن نصر الله وطبيعة خطابه ومدى التزامه بقوله.
– تركيز الحزب على أعلاء مستوى الفقه الديني عبر التركيز على شخص الشيخ عبد الأمير قبلان والشيخ محمد حسين فضل الله كعلامتين من الأراضي اللبنانية، بالإضافة للتركيز على خطابات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، وفق مبدأ ولاية الفقيه.
– تطور البنية الاعلامية للحزب وخاصة بعد إطلاق قناة المنار، وتعدد برامجها الحوارية بصورة تغيب التوجه الديني للحزب، وتعلي من السلوك الوطني له.
– التفريق المنهجي بين الجناح العسكري والجناح السياسي والجناح الفقهي والمؤسسات الخدمية الاجتماعية، وتفاعل هذه الأجنحة جميعها وفق أسس متوازنة تزرع الألفة والتواصل الطيب فيما بينها.
– طبيعة تحالفاته، ومساحة التلاقي والتعاطي السياسي في الشأن الداخلي اللبناني.
– اختيار شخصيات سياسية ذات خلفية سياسية توافقة عالية، وقدرة عالية على استيعاب الآخر والتواصل والسجال معه مثل السيد نواف الموسوي والحاج حسين…
– تغيب الجناح العسكري وقادته عن الواجهة الاعلامية، وبراعة النظام الأمني في تأمين القيادات وحمايتهم.
– احترام قضية الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، والإعلان عن مشروع الوعد الصادق.
– الانضباط الشعبي والأمني والعسكري مع كل امر من القيادة السياسية، وعدم تجاوزها.
– عدم نسيان قضية الإمام موسى الصدر مؤسس حركة أمل، والتركيز عليها في أغلب الخطب الدينية، مما يبين قيمة الشخصية الشيعية مهما كان زمانها أو دورها أمام مواطن الجنوب.
– الاستفادة من الوجود السوري “فترة الوصاية”، وعدم تدخل الأخير في مناطق الجنوب ليجعلها مناطق نفوذ لحزب الله.
– توافق المصالح الإيرانية- السورية منذ فترة الحرب الإيرانية العراقية ووصولا لحرب تموز إقليميا.

إن مجمل السمات سالفة الذكر تجعل من حزب الله رقما صعبا في معادلة الشرق الأوسط الكبير التي سعت السياسة الأميركية لتطبيقه في منطقتي الشرق الأوسط وبحر قزوين. فنجاح جناحه العسكري في حرب تموز غير في موازين التعاطي الدولي مع القوى السياسة والطوائفية في لبنان، وخوله بناء مدرسة مقاومة عسكرية قد تكون أنموذج للتعاطي المستقبلي في النزاع العربي الصهيوني.

الجناح العسكري في حزب الله:
يعد واحد من أكثر الأجنحة براعة في التخفي والالتزام في نسيج حزب الله الكلي، وهذا ناجم عن الثقافة العامة التي استطاع الحزب أن يزرع فيها بذور الإنسان المقاوم منذ بلوغه، وهذا يبدأ من المانشيت العسكري، والخطب الجهادية الدينية المكررة في المدارس الدينية، بالإضافة للأغاني والأناشيد الجهادية التي باتت توزع على عموم المواطنين، بالإضافة لترسيخ تقنية التسجيل الصوتي والتسجيل المرئي للعمليات العسكرية والاختراقات الأمنية للمواقع الاسرائيلية، وعدم الخجل من الإعلان عن كم ضحايا الحزب واعتبارهم شهداء والتكبير بأسمائهم، ومرافقه جنازاتهم لأغلب القيادات السياسية وتلك العسكرية المتخفية.
جميع هذه الأمور ساهمت حقيقة في زرع مفهوم الإنسان المقاوم، وتعد هذه الشخصية التي يمتاز بها الجنوبي عنصرا غير موجودا عند غالبية المواطنين العرب، حتى وإن كان متوسط دخله الفردي أدنى من بقية المواطنين العرب.
ولعل سلوك حزب الله في التعاطي مع حادثة اغتيال “الحاج رضوان” الشهيد عماد مغنية نقطة تعيد تأكيد هذا الحزب مع سلوكه في التعاطي مع نهج الشهادة، فعلى الرغم من إدراج اسم الحاج رضوان على قائمة الشخصيات الإرهابية الأميركية وتخصيص مبلغ مالي يعادل 25 مليون دولار، واتهامه بحوادث إرهابية مثل تفجير السفارة الأميركية عام 1983 وخطف طائرة عام 1985، وتفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين.
إلا أن الحزب لم يتردد في التكبير باسم السيد مغنية كواحد من أهم شهدائه، لا بل وضح الحزب باسم أهم شخصية فيه وهو السيد حسن نصر الله الدور الهام لهذا الشهيد وتوعد بوعود لم يقلها سماحته في حياته، دلالة على المكانة العالية لهذه الشخصية، كما ميزت نبرات صوته المتعالية على عصبية قراره وتصميمه على اتخاذ هذا القرار.
طبعا مثلت هذه الحادثة نقطة اختراق أمنية عالية في تاريخ هذا الحزب، وهذا ما دفع الحزب للتصريح إعلاميا عن إرساله فريق تحقيق امني من طرفه ليتشارك مع فريق أمني إيراني بالتعاون مع الأجهزة الأمنية السورية للكشف عن ملابسات هذا الحادث، لأن هذا الخرق يبين وبوضوح مدى التوغل الأمني الجديد في نسيج هذا الحزب الذي لم يستطع أيا كان أن يكشفه حتى خلال حزب تموز، حيث لم تتمكن الآلة العسكرية الإسرائيلية ومؤسسة الموساد الاستخبراتيه من تحقيق أية إصابات لأي من القيادات الحزبية لهذا الحزب.
وهذا إن دل على أمر، فإنه يدلل أن للحزب إستراتيجية في التعاطي الأمني تختلف جذريا وكفاءة عن الجهاز الأمني السوري، وتترابط بشكل منهجي مع الجانب الإيراني الذي يشاركها هذا التحقيق، خاصة وأن الشهيد مغنية يحمل الجنسية الإيرانية إلى جانب الجنسية اللبنانية.
ولعل اعتزاز الجانب الإيراني بالسيد مغنية واعتماده شهيدا من قبل أهم شخصية فقهية شيعية “الإمام خامنئي” يدلل وبوضوح عدم خجل الجانب الإيراني ومراعاته سياسيا لاتهامه بدعم شخصيات إرهابية، كما كان البيت الأبيض دائما يتهمه. والأمر ذاته نراه من قبل الجانب الرسمي السوري الذي طالما دعا للتميز بين مفهوم الإرهاب والمقاومة، كأساس في سلوكه السياسي مع المكاتب الفلسطينية الفاعلة عبر أراضيه، والآن أيضا بالنسبة لحادثة التفجير التي تمت على أرضه وفي منطقة مشهود لها الاستقرار والنفاذ الأمني والاستخباراتي.
وفق هذا المنحى بالإمكان تحليل السلوك الفكري لحزب الله مع النهج العسكري لذراعه بأنه سلوك كتوم ومرتبط ارتباط جذري مع الاستخبارات الإيرانية، وتعاطيه مع الجهاز الأمني السوري تعاطي ثقة يشوبها الندية دون التسليم المطلق، رغم أن السيد حسن نصر الله عاد لنفي التصريحات حول وجود فريق من حزب الله مشارك في التحقيق وذلك يوم 22/2/2008، لكنه في هذا الخطاب اكد أنه على اطلاع يومي بتفاصيل التحقيق الذي تجريه الجهات الأمنية في دمشق، وهذا يدلل على تنسيق أمني عالي بين دمشق وحزب الله، خاصة وأن الحكومة اللبنانية بكافة مؤسساتها من جهة معارضة لسياسة حزب الله.

وتمثل عدم تسمية الشخصية التي نابت عن الحاج رضوان إعلاميا سوى بالشخصية “اكس” دلالة واضحة على مدى السرية التي يمتاز بها هذا الجناح العسكري، وتبين عبارة السيد حسن نصر الله “الذي لم يعتاد الكذب في خطاباته”: (نحن في أتم الجاهزية لحرب شامله) أن الشخصية “إكس” شخصية فاعلة ومهيأة مسبقا لهكذا حدث. كما أن التكلم بصيغة حرب شاملة لن يكون أبدا بدون تشارك خطاب وتذكية إيرانية مسبقة لخطاب سماحته.
فرغم كل خسائر حرب تموز التي أصابت البنية التحتية لحزب الله، ولمواطني الضاحية والقرى الجنوبية، نرى الحزب يستقبل التهاني بشهيدة الكبير في واحد من أكثر المقار إصابة في منطقة الضاحية الجنوبية، كرسالة للجانب الإسرائيلي على مدى جديته في تعديل خسارته في حرب تموز، وتمكين أدوات مقاومته.

عاصفة شرق أوسطية:
المراقب العام لخطاب نصر الله في ذكرى تشييع “الحاج رضوان”” قد لا يرى جديدا في سلوك المقاومة الإسلامية في لبنان، إلا أن الأحداث التي تبعت خطابه تبين وبمنتهى الجديدة الوضع المنيط في منطقة الشرق الأوسط حاليا، فقد قامت السفارة الإيرانية يوم السبت 16/2/2008 بدعوة كل من قادة مكاتب التنظيمات الفلسطينية “حماس والجهاد الإسلامي” في اجتماع لم تتبين معالمه للإعلام، وهذا ان دل على شيء فيدلل على تحرك نوعي في ما يدعى محور الممانعة العسكرية في المنطقة المتمثل بالحركات الإسلامية “الجهاد وحماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني” بالإضافة للجهة السورية التي سمحت بهكذا لقاء على أرضها.
ويعزز من هذا التوجه في الجانب المقابل تصريح زعيم الصقور رامسفيلد في اليوم ذاته الذي نوه لعدم أهمية المبادرة العربية في المسألة الرئاسية اللبنانية وضرورة التعاطي وفق توجه الغالبية البرلمانية، ما كاد تنتهي النهار حتى بدأت أحداث شغب بين شباب سني وشيعي في أماكن مختلفة من بيروت، استدعت تدخل العسكر اللبناني لفضها.
أجواء التوتر في المنطقة، لم تكن أخف بالنسبة للجبهة الإسرائيلية المتحفزة بعد تصريحات سماحة السيد نصر الله، إلا أن هذه الآلة قد تجد في هذا التوجه من الجانب الجنوبي اللبناني، حافزا يجعلها تصفي حسابات معلقة في المنطقة منها الملف النووي الإيراني، وامتداده في المنطقة، والمقصود هنا أن الجانب السوري ربما يكون من حصة الإسرائيليين في حال نفذت تهديدات الصقور تجاه الإيرانيين، خاصة وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي صرح يوم 16/2/2008 عن احتمال قيام حزب الله بحرب على إسرائيل بدعم سوري إيراني، ودلالة هكذا تصريح من شخصية بهذه السوية:يدلل أن الآلة العسكرية ستستعد لحرب رد شرف بعد حرب تموز، لكن هذه المرة بوجود شركاء ناتجين عن المعادلة الطائفية ومفاتيحها بين كل من فريقي 14-8آذار في جمهورية بلا رئيس.
فمعايير الحرب الأهلية اللبنانية باتت ناضجة بين فرقاء السلطة والمعارضة معا، وبوادر الاضطرابات باتت عنوانا بين كل من فلسطيني المخيمات اللبنانية وشيعة لبنان من طرف وتيار المستقبل بشقه السني من طرف آخر.
كما أن الأقلية الدرزية المتمركزة في الجبل صرحت عبر رئيسها الأكثر شعبية أنها جاهزة لحرب، ورغم تراجع السيد وليد بك جنبلاط عن هذا التصريح في اليوم الثاني، إلا أن تصريحه الأول كان بمثابة انذار ومؤشر لأهلية الجبل الدرزي لمشروع حرب أهلية. في حين يبقى التيار المسيحي بعيد عن الآلة العسكرية رغم اتهام فريق 14آذار للتيار الوطني الحر بأنه يقيم مخيمات تدريب لعناصره في مناطق البقاع منذ الشهر السادس من العام المنصرم. وهذا يدلل أيضا أن جميع فرقاء السلطة والمعارضة في حالة اتهام وتفاعل مع مشروع الوجود.
وهذا المشروع قد يعيق فريق حزب الله اللبناني من تنفيذ تهديدات أمينه العام، خاصة وأن السيد جعجع قد صرح بعد خطاب الأمين العام في ذكرى تشييع القائد العسكري “الحاج رضوان”: “لا يمكن لأحد في لبنان أن يجز اللبنانيين كافة بقراره الفردي” وذلك دلالة أن فريق 14 آذار سيقف بكل قوته “السياسية، الاستخباراتيه…” بوجه توجهات حزب الله في حال نشبت حرب تموز جديدة.
ويضاف لهذا العائق تجاه حزب الله وجود قوات اليونفيل التي على الرغم من أنه استطاع سابقا أن يخترقها ويبين عجزها أمام تجربة الصاروخ الذي أصاب البحر قبل عدة أشهر، إلا أن هذه القوات لم تتوانى عن توفير بنية معلوماتية استخبراتية عالية ومسح جيد لمناطق الجنوب اللبناني التي استهتر الجانب الإسرائيلي في مسحها أثناء احتلاله لها، وهذا ما يتضح من خلال فرق الاستخبارات الأميركية التي صرحت قبل ايام عن التكتيك العالي لحزب الله في مناطق الجنوب.

إن مجمل هذه المؤشرات في المنطقة تبين دورا رئيسيا لحزب الله في المنطقة، فالمعركة القادمة هي معركة وجود هذا الحزب أو فناؤه كقوة عسكرية. فهل يتخاذل الجانب السوري أو الإيراني عن توجه هذا الحزب، أم يسيران معا وفق مصير مترابط يحمل أحلامهم في زوال دولة إسرائيل ويرسخان مفهوم قول الأمين العام للحزب: “دم الشهيد مغنية يؤرخ لبدء سقوط إسرائيل”.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s