مجتمع المعرفة والسياسات المحلية

بقلم: عصام خوري

13/06/2005

القرية الكونية الصغيرة:Internet-censuré-liberté-en-danger.jpg
تعددت النظريات التي تفسر العالم، وتحدد طرائق التعايش فيه، متماشية مع متطلبات كل مرحلة وفق تراتبها الزمني. ولعل مفكري الحداثة الساعين لتدشين النظرية السياسية الأمثل لصلاح البشرية. بداية من “مكيافيللي” ومرورا “بهوبز” و”لوك” و”روسو” و”كانط” و”هيجيل” و”ستيوارت مل” و”تشمبرلن” و”جون رولز” وانتهاء بمفكري مؤسسات اليمين الأميركي، قدموا تراكماً معرفياً هائلاً وصولاً لعصر ساهمت التقنية الحديثة فيه لمدى واسع وفق القرار السياسي العالمي، لأن تخلق ما يمكن تسميته القرية الكونية الصغيرة.

القرية المحكومة بقوانين السوق العالمي الذي يستند لمؤسسات رابحة دعيت بالمؤسسات متعددة الجنسية، التي ساهمت إلى حد واسع في عملية تماذج المجتمعات وتقارب الأفكار وحتى العادات والأعراف الاجتماعية. فشخصيات والت دزني الكرتونية، وألعاب باربي وشراب الكوكا كولا وبيبسي ومأكولات كنتاكي وماكدوناز والمطبخ الصيني باتت جميعها متعارفة ومتداولة عند مختلف الجنسيات.
كذلك الفكر الديني المتشدد كثقافة اجتماعية مسيسة وفق ساسة اليمين الأميركي الجدد التي انتهجتها كأيدلوجية فاعلة لها مدارسها ومريديها بداية في الولايات المتحدة وعبر المؤسسات الكنسية البرتوستانتية وانتشاراً كفكر أصولي في العالم الإسلامي والهندوسي والكثلكي واليهودي…. مقلصة دور الفكر اللبرالي، ومعزز دور الأصولية وفق نظرية نزاع الحضارات.
الإعلام بمختلف أنواعه، ساهم لدرجة عالية جداً في حشد الجماهير، وتكاتفها نحو النظريات الهادفة نحو تنظيم رؤية السلطة الأقوى، وهذا يذكرنا بتكاتف البانتكون مع منتجي سينما “هوليود” خلال فترة الحرب العالمية الثانية، ومكافحة الخطر الشيوعي، وتجميلاً للوجه العسكري في الفيتنام.
ولم يغب الانترنيت كأوسع مكتبة في العالم، عن اقتصاد السوق ورغبة تسويق الأفكار والطروحات الجديدة التي عززت مفاهيم ثقافية أساسية في المعرفة لا غنى عنها للإطلاع على عالم هذه المكتبة العملاقة. فلغات البرمجة الرئيسة يجب أن تدرسها وفق مناهج محددة، وإن حاولت تغيير هذه اللغات لابتكار لغات خاصة تتناسب وثقافة مجتمعاتك، يكون القطار قد فاتك وخسرت زمناً غير مغذى وفق نظرية السوق القاسية. فالجميع الآن يكتب بريده الالكتروني باللغة الإنكليزية، مما ساهم بجعل اللغة الإنكليزية لغة العصر، وأي ابتعاد عنها سيجعلك خارج عن العصر، ونلاحظ أثر ذلك في المدن ذات الاقتصاد المفتوح كدولة الإمارات العربية المتحدة التي فقدت اللغة العربية في شارعها وفي الحانات وباتت اللغة الإنكليزية لغة الحياة. كذلك الأمر في هون كونغ، وبتزايد تدريجي لهذه الظاهرة في دول النمور الآسيوية.
الفضائيات ومحطات الراديو والانترنيت ساهمت مساهمة فاعلة في السياسية، لا بل من الممكن القول أنها الركيزة الأساسية لمعايير السياسة، فبغياب الإعلام تطمر السياسات ويغيب مفكريها، وأهم الأحزاب في جميع الدول من تملك مفاتيح الإعلام وتكون علاقتها الأقرب لهذه المؤسسات، أو تكون هي ذاتها مالكة هذه المؤسسات كبرلسكوني في إيطاليا أو الحريري في لبنان.

الواقع المعرفي الإقليمي:
internetcensorship061208.gif
العالم العربي الذي يقدر بحوالي 5% من سكان العالم، يصدر حوالي 0.8% ، 17% منها كتب دينية. ومجمل الكتاب والمبدعين محكومين بقوانين الرقابة القاسية والمتفاوتة في كل بلد على حدا، كما أن السلطة الدينية التي تعززت مؤخراً، كثقافة أساسية في العالم. أرخت أثراً بارزاً في المجتمع العربي وحرمت العديد من الكتاب والمفكرين من النشر، فرواية “وليمة على عشاء البحر” لحيدر حيدر السوري، منعت في مصر وكفر حيدر عربياً. كذلك الأمر بالنسبة لسلمان رشدي المكفر إيرانياً وإسلامياً لروايته “آيات شيطانية”. علماً أن الدين الإسلامي من الأديان التي تحد على المعرفة وذلك في عدد كبير من الآيات القرآنية.
السلطة السياسية العربية ساهمت مساهمة فاعلة في تعزيز النزعة الأصولية الدينية في العالم العربي نتيجة لنهجها القمعي اللاحواري، ولربما تكون مدفوعة لذلك بقرار من القادة المهيمنين في الخارج ونظرياتهم “كنظرية الحرب الاستباقية التي انتهجتها بداية أحزاب الخضر في أوروبا، وتبنتها إدارة الصقور في البيت الأبيض”. إلا أن الغريب في هذه السلطات أنها اعتادت على القمع حتى المعرفي ليس في مناهجها العلمية وحسب بل في الحياة البسيطة، فقد سمحت السلطات السعودية بدخول الستلايت وصحونه، لكنها منعت إستخدام الدوارات كي لا يلتقط المخدم أي من الأقمار الأوروبية التي تبث في بعض القنوات أفلام إباحية، كما منعت في مخدمات انترنيت جميع الدول العربية كلمة “جنس”، ويلاحظ أن غالبية المواقع العربية على الإنترنيت مواقع إسلامية أو حوارية إسلامية، والغريب في الأمر أن السلطات العربية تحجب من مخدماتها حالياً أرقام مخدمات أي من المواقع الأصولية، التي كانت ناشطة في السابق ولها أرضيتها الجماهيرية. ويلاحظ حجب مواقع تيارات سياسية إسلامية ومعارضة يسارية في تونس التي ستستضيف هذا العام القمة العالمية لمجتمع المعرفة، وسوريا التي شهدت عاصمتها العام الماضي المؤتمر التحضيري الثاني لقمة مجتمع المعرفة. هذا بالإضافة لحجب أغلب مواقع المعارضة في الإنترنيت وبشكل شبه عام في العالم العربي. كما يلاحظ حجب مواقع يسارية في عدد من الدول العربية كموقع الحوار المتمدن في تونس العلمانية والسعودية المتدينة. كما أن أغلب الفضائيات المعارضة لسياسات الحكومات في الداخل العربي، تعمل من أوروبا. وهذا بمجمله يطرح قضية الحريات ومعوقاتها تجاه الإبداع المعرفي، والتنمية البشرية. فبين عامي 1998-2000 غادر أكثر من 15ألفلا طبيب عربي للخارج. وهذا ناجم عن إخضاع مؤسسات البحث العلمي على قلتها في العالم العربي لاستراتيجيات السياسة الحاكمة، وتقديم الولاء للسلطة على معايير الكفاءة والمعرفة، مما ساهم في إخماد الإبداع، وتخلف المنظومة العلمية والتقنية والمعرفية، وهجرة العقول.

الأنموذج السوري:
سوريا بلد صغير مقارنة بالدول العربية ذات القرار السياسي الفاعل “مصر، السعودية” إلا أنها من أكثر الدول تأثيراً ونتاجاً في الحراك السياسي للعالم العربي، فمن خلال مفكريها، انتقلت النظريات القومية الأوروبية لغالبية الأحزاب العربية، إلا أن هذا النشاط السياسي الذي تراه متشرب حتى في أفقر طبقات المجتمع، لم يمنع من وصول نسبة الأمية في عام 2003 إلى 28%.
من هذا الواقع علينا إدراج بعض النقاط التي شكلت حالة مفصلية في التاريخ السوري التي تمثلت عام 1999 بالسماح باستخدام السيرفرات واللاقطات للفضائيات، والسماح باستخدام الانترنيت عام 2000، ضمن هذا الواقع المتأخر نلاحظ وصول المواقع الالكترونية السورية لحوالي 2000 موقع هذا العام، يغيب عنها المواقع الإسلامية، رغم وجود عدد كبير من السورين المشتركين في مواقع إسلامية عربية، وقد وصل عدد مستخدمي الانترنيت في سوريا هذا العام ل 220 ألف مشترك، وهو رقم مهم بالنسبة لدولة حديثة العهد وتعاني من ظاهرة الأمية.
إلا أن خدمات المخدم السوري ما تزال شحيحة العطاء، فقد جعلت من ميزة “الريال أي بي” خدمة مكلفة جدا تصل لقيمة 88$ مما جعل غالبية مستخدمي هذه الخدمة يعزون عنها، بالإضافة لحجب خدمة “أف تي بي”، وميزاجية قطع ميزة “البيبو 3”. إن غياب هذه الخدمات يعيق من تنفيذ البرامج الأتمتية للشركات، وينفر المستخدم من عملية الإنمداج في مجتمع الأتمتة والمعرفة بكافة جوانبه. وهذه الممارسة هي جزأ من الفكر الإقصائي القمعي السياسي، الذي امتد كثقافة في أغلب نواحي الحياة.
فقد جعل القيمون على المخدم السوري بالاتفاق مع الجهات الأمنية الممثلة للسلطة السياسية بحجب العديد من المواقع الالكترونية ك”صحيفة القدس العربي، مواقع أحزاب المعارضة في الخارج، جريدة أخبار الشرق، المواقع الأصولية، المواقع الإسرائيلية، وبعض مواقع المنظمات الحقوقية داخل سوريا، بعض المواقع الكردية، مواقع الجنس وعروض البورنو..”، ولحين عام 2004 كان موقعي “الهوتميل، والياهو” ممنوعين، لهدف حصر الإميلات ضمن المخدم السوري.
الحكومة الأمنية سواء في الاتحاد السوفيتي السابق، أو الدول العربية عامة، والولايات المتحدة بعيد أحداث 11 أيلول. تقوم بعمليات ممنهجة في عملية التعقب ومراقبة خصوصيات مستخدمي الشبكة، وهذا أمر منافي للحقوق الإنسانية، والخصوصية الفردية. فقد اعتقل السيد الشاغوري في سوريا لأنه طبع نشرة الكترونية من أخبار الشرق، كما تم اعتقال شخص في تونس لأنه اطلع على نشرة الكترونية ممنوعة.
كما أن الكثير من الخطوط الهاتفية البالغة حوالي المليوني خط في سوريا مراقبة، وهاجس الخوف عند المواطنين يجعلهم حذري الحديث في الهاتف الذي يدفعون فيه ما يقارب 1.200 مليار ليرة سورية كرسوم ضريبية فقط.

الواقع المدني والقطاع الخاص:
طولب في المؤتمر التحضيري الثاني لمجتمع المعرفة المنعقد في دمشق، مشاركة كل من المنظمات المدنية والقطاع الخاص في قمة تونس.
إلا أن القطاع الخاص ومعه المنظمات غير الحكومية ليست جزءاً من عملية اتخاذ القرار أو حتى الإطلاع على استراتيجيات وآليات اتخاذ القرارات المتعلقة ببناء مجتمع المعلومات في العالم العربي، وبالتالي فإن مشاركتها لن تكون أكثر من مشاركة بروتوكولية، وهي غير قادرة على الالتزام بأي شيء طالما أنها غير قادرة على التأثير في برامج التحول إلى المجتمع الرقمي (طبعاً قد يختلف المجال المتاح للقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية من بلد لآخر، إلا أنه يجب التنويه إلى أن المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال التحول الرقمي هي الأكثر تعرضاً للتهميش رغم أنها في العالم تلعب الدور المفصلي في تحقيق أفضل معادلة بين القطاعين العام والخاص).
إن استفادة مؤسسات المجتمع المدني العربي من الانترنت، انحصرت في الإعلان عن نشاطاتها وفاعلياتها وبرامجها بأرخص سعر إعلاني متاح، كما أن وسيله البريد الالكتروني ساهمت مساهمة كبيرة في حملات الضغط والتشبيك بين المؤسسات لخلق اتلافات قائمة على تشارك أهداف. هذا بالإضافة لفتح عضوية بعض المؤسسات لتغدو إقليمية أو دولية في نشاطاتها وأعضائها. وهذا ساهم مساهمة واسعة في خلق تشاركات ناشطة ومؤثرة تتزايد أهميتها في السياسات العربية رويداً رويداً، مع سخط المواطنين من الأجهزة الأمنية والفقر المدقع، والاندفاع نحو قوانين الدول الحديثة “دول المواطنة والمدنية”.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s