إلى أين آلت فرص “الحُلم الكردي” في شمال شرق سوريا؟

مقابلة بقلم: اياد الجعفري

الاقتصادي/ زمان الوصل

07/01/2015

من الصعوبة بمكان تأسيس دولة مستقلة للأكراد شمال سوريا. أما تأسيس حكم ذاتي واسع الصلاحيات، متفاهم مع تركيا، وجزء من الوطن السوري الكبير، فهو سيناريو وارد بقوة، خاصة بعد أحداث عين العرب “كوباني”. و”الفيدرالية” قد تكون الخيار الأمثل لسوريا المستقبل…تلك كانت خلاصة حوار مفصّل مع عصام خوري، الخبير في الجغرافيا السياسية، ومنسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية.

20151008.Issam Khoury 2318.REID.jpg
ليست المرة الأولى التي تناقش فيها “اقتصاد” سيناريوهات وفرص تأسيس “دويلة”، أو استقلال ذاتي واسع الصلاحيات، للأكراد، شمال شرق سوريا. لكننا قررنا إعادة فتح الملف ودراسة ما آلت إليه فرص تأسيس هذا الكيان المُفترض في ضوء التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة التي طرأت في شمال البلاد، خاصةً لجهة تمدد تنظيم “الدولة الإسلامية”، ومهاجمته لمنطقة عين العرب “كوباني”، التي تحولت إلى “رمز كُردي” في مواجهة “التطرف الإسلامي”، بصورة حظيت بدعم غربي منقطع النظير.

فهل زادت فرص تأسيس دويلة كردية، أو استقلال ذاتي واسع الصلاحيات، في شمال شرق سوريا، في ضوء التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة؟

ناقشت “اقتصاد” هذا الملف الشائك، بصورة تفصيلية، مع عصام خوري، منسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية، وهو كاتب ومحلل سياسي وخبير في شؤون الجغرافية السياسية.

وقد استفاض عصام خوري في تقديم قراءته لجملة جوانب في ملف “الأكراد” بسوريا، أبرزها مدى قدرة الأكراد على الاستقلال عن سوريا، من الجانبين الاقتصادي والديمغرافي، وآفاق الموقف التركي من ملف الأكراد بسوريا، وأثر التطورات الأخيرة المرتبطة بالحرب مع تنظيم “الدولة الإسلامية” على هامش الأكراد المُرتقب في سوريا المستقبل، وأخيراً، طلبنا رأي عصام خوري في مدى جدوى فكرة “الفيدرالية” في سوريا المستقبل، وإلى أي حدّ يمكن لها أن تحافظ على وحدة الوطن السوري.

وفيما يلي نص الحوار…

*هل “دولة الأكراد المُتخيلة”، حسب الأدبيات الشائعة لدى بعض التنظيمات الكردية، قابلة للحياة اقتصادياً وديمغرافياً؟

إقليم الجزيرة السوري هو إقليم غني بثرواته، وطبعاً، اقتصادياً هو قادر على الحياة، لا بل يستطيع تحقيق متوسط دخل فردي جيد للقاطنين فيه، لكن تقسيمه الجغرافي يُفضي باستحالة نجاحه في كل المناطق. كمثال منطقة “عين العرب- كوباني” وصولاً لمنطقة “عفرين شمالي حلب”، هي منطقة منعزلة نسبيا عن منطقة الجزيرة العليا في الشمال الشرقي السوري، ومن المستحيل تحقيق وحدة بين هاتين المنطقتين إلا في حالة وحيدة وهي تفتت الدولة التركية وظهور جسم “كوردستان تركيا”، وهذا الخيار من الصعب طرحه حالياً في ظل النزاع “الشيعي-السني” في منطقة الشرق الأوسط، فتركيا هي القوة الإقليمية الأكبر للسنّة، وإيران لا ترضى بأن تظهر دولة إقليم “كوردستان تركيا”، لأن ذلك سيعني ظهور “كوردستان إيران”، وبدء تفتت إيران ذاتها.

من زاوية ديموغرافية محلية “سورية” نرى أن منطقة الجزيرة العليا السورية هي منطقة ليست كوردية صرفة، بل فيها الكثير من العشائر العربية، وتنظر هذه العشائر بحقد لأي مشروع يُفضي إلى استقلال الكورد، وأكبر تأكيد على هذا الأمر انضمام مئات الشباب منهم للتنظيمات المتطرفة “الدولة الإسلامية” بغياب قناعة دينية بل بهدف تهديم المشروع الكوردي في الأرض السورية، أو للثأر من الكورد الذين نكلوا بالعشائر العربية في تلك المنطقة.

عشائر عدوان “منتشرة في مدينة رأس العين ومحيطها”، على سبيل المثال، التي تُعرف بالتحرر، “يدبك الرجال والنساء سويةً في حفلات الأعراس”، عموم شبابها غير متطرف، إلا أن قسماً كبيراً من شبانها انضموا للدولة الإسلامية كنوع من النكاية ضد الكورد الذين أقصوهم عن الحالة الإدارية في مؤسسات الدولة القائمة في تلك المنطقة.

*هل يمكن لـ “إدارة ذاتية كردية” في شمال شرق سوريا أن تحصل على قبول الأتراك، وتعاونهم من النواحي اللوجستية والاقتصادية والجيوسياسية…كمثال: مصدر المياه الرئيس في مناطق التركز الكردي في شمال سوريا آتٍ من تركيا؟

في علم الاقتصاد كل أمر ممكن، فتركيا حالياً تنسق عقود بيع النفط العراقي مع حكومة إقليم كوردستان العراق، كما أن تركيا سمحت بتنامي شعبية البرزاني في سوريا على حساب تنظيم “الاتحاد الديموقراطي: الوجه السوري لحزب العمال الكوردستاني”، عبر تسهيل مرور بعض مقاتليه لمدينة “عين العرب- كوباني”.

لذا إن جاءت حكومة الإدارة الذاتية الكوردية السورية كحكومة تقبل بحسن الجوار مع تركيا، فممكن جداً أن تنسق تركيا معها، خاصة وأن تركيا ستكون الرابح الاقتصادي مع هكذا كيان لا يمتلك معامل ومنشآت اقتصادية.

*هل تظن في رأيك أن تركيا قد تقبل بـ”دويلة كردية” مستقلة في شمال سوريا، وتحت أية ظروف؟

فعلياً، تركيا حاربت تنظيم حزب العمال الكوردستاني، وجاهدت لتصنيفه دولياً كحزب إرهابي، كما سعت الحكومة لخلق عدة أحزاب كوردية ذات ميول إسلامية في مسعى منها لتحويل الهوى الكوردي القومي العرقي نحو هوى ديني إسلامي، رغبة منها في إقصاء الحلم الكوردي القومي بشكل جذري وإدماج الكورد مع سُنة تركيا، ولكنها لم تنجح.

إن وجهة النظر الرسمية التركية هي أن قيام حكومات كوردية إلى جوار الكتلة الكوردية التركية الكبيرة سيعني تنامي ظاهرة الاضطراب في مناطق الأناضول، لذا هي حكماً ستعارض هذا المشروع، حتى وإن كان مدعوماً دولياً.

وكما أن الأكراد يسعون لاستثمار الحدث السوري كي يظهروا كجزيرة منعزلة عن الحدث أمام المجتمع الدولي، فإن تركيا تحاول استثمار النزاع القومي في الشمال السوري لتبيان استحالة تحقيق هكذا مشروع، ولديها من عناصر القوة ووسائل الضغط ما يجعلها في ميزان قوة رابح أمام أكراد سوريا.

* كيف أثرت أحداث الصراع في عين العرب “كوباني” على قدرة القوى السياسية الكردية في طرح ملف استقلالهم، أو حكمهم الذاتي، أمام الأطراف الدولية والإقليمية؟، أي، هل خدمت حربهم مع تنظيم الدولة الإسلامية مساعيهم للاستقلال الذاتي، أم العكس؟

المجتمع الدولي الذي دعم الثورة السورية عبر مشروع أصدقاء الشعب السوري، لم يروا الظاهرة المثالية في الثورة السورية ليسوّقوها أمام مجتمعاتهم المحلية، في حين تجربة “كوباني” أبرزت دور المرأة في المعركة وهو أمر احترمه الغرب جداً، وسيق حوله مئات المقالات والدراسات. فكرة وجود مقاتلة تُرضع ابنها وتدافع عن أرضها هي فكرة تستقطب جمهوراً، وفكرة وجود أظافر طويلة لمرأة تتحدى إرهابياً هي أمر جذّاب لشعوب تحترم حرية المرأة وتطالب في دساتيرها بالمساواة بين الرجل والمرأة.

الأكراد كانوا شُجعان في تسويقهم لهذه الفكرة، وهو أمر لم يستخدمه، كمثال، السوريون المسيحيون في تجربة مدينة محردة، حيث كانت النساء تطبخ للرجال والشبان المتربصين على الحواجز ضد تنظيم النُصرة.
أيضا لم يستخدمه السوريون المسلمون الثوار، فدائماً كان مشهد المقاتلين ذكوراً وبذقون طويلة مع تلازم لعبارة التوحيد التي أقصت العلم الأخضر.

المجتمع الدولي يبحث عن شركاء يرفضون تسليم أسلحتهم للتنظيمات المتطرفة، ويبحث عن أصحاب قضايا وليس تجار أزمات.

الأكراد أثبتوا أنهم مخلصون لشركائهم الدوليين في حربهم ضد “الدولة الإسلامية”، ولكن هذا لا يعني احتمال استقلالهم، إلا أنه سيعطيهم، بالتأكيد، أفضلية سياسية في مرحلة لاحقة من تاريخ سوريا المستقبل، وأكبر تأكيد على هذا الأمر أن المبعوث الدولي “دي مستورا” ميّال لفكرة إلغاء المركزية واعتماد نظُم الإدارة الذاتية، ولكنه لم يتحدث يوماً عن انقسام الوطن السوري.

*هل تؤيد فكرة الفيدرالية؟، وهل تظن أنها قد تؤدي إلى تقسيم سوريا، خاصة في الحيز الذي يتركز فيه الأكراد ديمغرافياً، كما يرى البعض؟

النظم المركزية هي نظم متعبة إدارياً، خاصة مع بلدان متعددة الطوائف والقوميات، وفي علم الإدارة هناك دائماً إبداع في خلق تكوينات إدارية تقلص الفساد وتحقق تنمية مستدامة أفضل.

النظرية الكوردية الملتزمة بالحلم الكوردي العام، هي نظرية من الصعب تحقيقها بدون عواصف من الدم، “وقد لا تهدأ هذه العواصف أبداً كما نرى الآن”، وهذا أمر أدركه قياديون كورد، كصالح مسلم، لذا دعوا لإدارة ذاتية تكون تابعة للدولة الأم سوريا، خاصة بعد فهمهم لعجز حكومة إقليم كوردستان عن الاستقلال عن العراق.

وهنا قد نصل مع تطور هذه الفكرة إلى مرحلة نزاع كوردي-كوردي بين الجناح الرافض لتقليص الحلم والجناح الراضي بتقليصه بحكم المنطق، بالإضافة للنزاع “الكوردي-العربي”.

مشروع الفدرالية السورية لن ينجح خلال فترة زمنية بسيطة، لأنه مرتبط جذريا بالملف السوري الجامع.

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s