الفخ بين موسوي ونجاد

بقلم: عصام خوري

07/01/2010

606x340_196154.jpgمثلت التظاهرات الشعبية مؤخرا في العاصمة الايرانية طهران حالة دهشة للجمهور المراقب للانتخابات الايرانية، فلم يتوقع ابعد المراقبين قوة الإصلاحيين أن تصل لهذه المرحلة، حتى أن الكثير من وسائل الاعلام باتت توازن بين هذه التظاهرات وتلك التي جاءت بالثورة الاسلامية الايرانية.

أبعاد هذه التظاهرات على السياسة الايرانية المستقبلية:
طبعا انتصر المحافظون في هذه الانتخابات، وبالاخص عندما جاء تأييد مرشد الثورة الاسلامية لهم بصيغة لا تقبل الشك يوم 19/6/2009.على الرغم من اعلان مجلس حماية الدستور يوم 20/6/2009 رغبته في اعادة فرز عشوائية لحوالي 10% من صناديق الاقتراع، بينت فيما بعد تأكيد نجاح المحافظين في هذه الانتخابات، رغم استمرار التشكيك بمدى مصداقيتها ايضا من قبل الإصلاحيين.
إن تعاطي مرشد الثورة مع هذا الملف جاء بعد سلسلة من الانتقادات الدولية على ما آلت إليه الاحوال في الشارع الايراني، خاصة بعد منع الصحفيين من التغطية المباشرة للشارع الهائج، وموجة الصور التي وزعها المتظاهرون للقمع الذي تعرضوا له من خلال تطويقهم من قبل الشرطة الايرانية، وقوات حفظ النظام.

فيما يلي أربعة من ابرز النقاط التي حددها مرشد الثورة الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي أثناء تأديته لخطبة الجمعة التالية لاعلان نتائج الانتخابات:
1- لا اقبل الاتهامات الإعلامية لهاشمي رفسنجاني.
2- افتخر بالديمقراطية الإيرانية وافتخر بنسبة مشاركة المنتخبين في الانتخابات “اربعين مليون ناخب” .
3- لن نرضخ للبدع الدستورية بشأن تغيير نتائج الانتخابات الرئاسية.
4- أحداث الاسبوع الماضي بينت عن وجه بريطانيا الخبيث.
ولمزيد من التوضيح نمر على هذه البنود بشكل أكثر تفصيليا:

1- رفض مهاجمة رفسنجاني:
حاول مرشد الثورة أن يكون متوازنا بين الطرفيين فقبل أن يعلن صراحة عن موقفه المؤيد للمحافظين، افتخر بالرئيس الاسبق رفسنجاني، ورافضا أية اتهامات بحقه، مما بين أنه لا ينظر للاصلاحين بصيغ الشك والتخوين. كما حاول في هذه العبارة دغدغة عواطف داعمه الاسبق لمنصب ولاية الفقيه الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني.

2- اعتزازه بالمشاركة الشعبية قرابة 85% من الذين يحق لهم التصويت:
إن تركيز مرشد الثورة على هذا الجانب، انما هو قادم من خلال رغبته في التأكيد على صحة المفهوم الانتخابي الذي تنتهجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فلو كانت المشاركة الانتخابية متواضعة، لكان هذا مؤشرا على عدم اكتراث الجمهور الايراني بالقرار السياسي في البلاد، وغياب قناعتهم بأية مشاركة في صياغة قرارهم. واعتبر هذه المشاركة ترسيخا عظيما لمفهوم الديمقراطية، الذي بات ضعيفا حتى في الدول الغربية التي تدعي الديمقراطية وتحاسب على اساس معايرها هي، وبهذه العبارة حاول مرشد الثورة قطع الطريق على الدول المنتقدة للانتخابات الايرانية.

3- تغيير نتائج الانتخابات امر مرفوض:
بهذه الفقرة من خطبته أكد مرشد الثورة على حزم ولاية الفقيه بشأن خياراتها الانتخابية، وقناعة مؤسسته بحسن سير الانتخابات، خاصة وأن حجم الفارق بين موسوي ونجاد كان يتجاوز 11 مليون ناخب، وهذا أمر يحتم فوز المحافظين، ويغيب من فرص الطعون التي تقدم بها الخاسرون في الانتخابات.

4- بريطانيا كانت وراء أحداث الشغب:
جاء اتهام مرشد الثورة قصيرا ومقتضبا، وكأنه حاول تجنيب نفسه ذكر تفاصيل ربط بين موجه الغليان الشارعي والاستخبارات البريطانية. لكنه استطاع أن يفهم سامعيه بأنه جاهز لطرح تفاصيل تبين حقيقة ارتباط بعض الزعامات الشارعية المنتفضة والاستخبارات البريطانية.
لكن السؤال الهام لماذا خص مرشد الثورة الحكومة البريطانية وحدها في انتقاده، رغم وجود البوارج الحربية الاميريكية على مقربة من شواطئه، بالاضافة لكثافة النقد الاميركي للجمهورية الاسلامية التي تصنف وفق رأيهم بما يدعى محور الشرّ؟
طبعا البريطانيين كانوا تاريخيا مهندسي منطقة الشرق الاوسط، وعلاقاتهم التاريخية مازالت قادرة على انفاذ العديد من المشاريع في المنطقة العربية، ولن ينسى الكثيرين في ايران أن زعيم الثورة الاسلامية الثائر على الشاه، كان لاجئ في بريطانيا قبل الاعلان عن ثورته. من هذا الحلقة قد نستنتج أن الوصاية البريطانية على دعم ولاية الفقيه باتت مرفوعة نوعا ما، فالبريطانيون دعموا الحركات الدينية لتكون ضد المد الشيوعي اثناء الحرب الباردة، وقد ساهمت الثقافة التبشيرية عند ولاية الفقيه في تكثيف المعوقات نحو علمانية الدول المحيطة بايران والشرق الاوسط، مما ادى لتنامي تخلفها، وتسخيرها كل امكانياتها نحو دعم الفكر السلفي الديني، بدل ان يكون الهدف نحو مشاريع تنمية مستدامة.
اليوم المحور الغربي الذي تقوده مراكز الدراسات الانكلو سكسونية بات متخلي عن هذا الخط، وخاصة بعد تحول النظام الايراني الديني نحو سياسات تنمية مستدامة في المنطقة ومن ابرزها مشاريع الطاقة.
أو لعل مراكز الدراسات هذه تسعى لتحويل الخط الديني الايراني نحو خط ديني مساير للمشاريع الغربية الجديدة والتي تتمثل بمكافحة الارهاب والمد الاصولي، طبعا هذا الامر لن يتم إلا إذا بادرت الحكومة الايرانية القادمة بعدد من الخطوات ومن ابرزها:
1- دعم الحكومة العراقية في ترسيخ سلطتها الامنية.
2- تأجيج الخطاب الديني المستفز بين الشيعة والسنة.
3- المساهمة في ترسيخ الاستقرار في افغانستان، وعدم دعم الجماعات المسلحة.
4- التغاضي عن أمن إقليم بلوشستان في الشمال الايراني.
5- التوقف عن دعم حزب الله وسوريا عسكريا.

إن عدم التزام الحكومة الايرانية المقبلة سواء اكانت محافظة أم اصلاحية بالبنود الخمس الاولى السابقة، سيدفع عموم الدول وخاصة الدول الدائمة في مجلس الامن، أن تعلي من خطابها المناهض للسياسة الايرانية الهادفة نحو التسلح النووي، حتى أن الروس والصينيين وبعد هذه المظاهرات الطنانة على الاعلام، سيكون اعتراضهم خجولا ولن يرتقي لاستخدامهم حق الفيتو، وستكتفيان على ابعد تقدير بالتحفظ على القرار.

مفهوم الثورة المخملية:
جاء هذا التعبير بداية من تصريح أحد قادة الحرس الثوري الايراني قبيل الانتخابات، حيث بين عن معرفة مسبقة لامكانية قيام ثورة شعبية ستوقفها قوات الحرس الثوري الايراني للحفاظ على اركان البلاد. طبعا هكذا تصريح لم يأتي من فراغ، خاصة وانه قادم من شخصية ذات معرفة ودراية بتفاصيل المعلومات والاتصالات الخارجية، لكن رغم كل ذلك نجح المحافظين في تجيش الشارع وتحقيق اضطرابات كبيرة كان غالبية عناصرها هم من النخب الثقافية والحركة الطلابية، وهذا إن دل على امر فإنه يدلل على عدة معطيات مستقبلية في خارطة الحياة السياسية الايرانية، بامكاننا تلخيصها بما يلي:

1- مهام الحرس الثوري والتزامه:
إن عدم تدخل الحرس الثوري مباشرة في قمع المتظاهرين يدلل على التزام عالي ضمن الفريق العسكري للجمهورية الاسلامية الايرانية، الذي وضع جل اهتمامه للخطر الخارجي، وتجنب القضايا الداخلية ان لم تتفاقم بشكل يصعب السيطرة عليه لقوات حفظ الامن والشرطة. وهذا يدلل حقيقة على الدور المؤسساتي التي تلتزم به ادارة الدولة الايرانية. من زاوية ثانية وخلال التظاهرات كانت تسريبات زعامات الحرس الثوري للاعلام هي تصريحات مهدده لاي مشروع هجمات خارجية على ايران، وتزامنت هذه التسريبات بتدريبات عسكرية ايرانية في الخليج العربي “الخليج الفارسي كما يسميه الايرانيين”. وعندما لم تبادر ايه قوات دولية لضرب ايران تحول الحرس الثوري للشارع المحلي داعما الرئيس أحمدي نجاد ابن هذه المؤسسة العسكرية، عبر تدخل شخصيات منه بزي مدني لقمع المتظاهرين.

2- اعلان الاستشهاد عند كروبي وموسوي:
بين كل من المرشحين الاصلاحيين عن روح استبسالية في دفاعهم عن منصبهما اللذين صوراه بأنه منصب انتزع منهما عنوة، وعبر عمليات غش وتلاعب بالاصوات، وقد وصل بهما الامر للاعلان عن رغبتهما بالشهادة إن اقتضى الامر، وبالفعل شارك كل من كروبي وموسوي المتظاهرين في تظاهراتهم، محققين شعار الالتزام الميداني، طبعا كل من هذين المرشحين تجنبا تبيان رغبتهما بالحصول على دعم دولي مؤازر لهما، لكن هذا الدعم هو بالفعل ما ساهم حقيقة في تنامي ثورتهم، واكسابها رقابة عالمية حقيقية. هذا الامر ادى بالمرشد الاعلى لمدح الزعيم الاصلاحي الاميز رفسنجاني، رغم سلسلة الاتهامات التي وصفته بأنه رأس الفتنة الحقيقية في هذه الثورة المخملية.
رفسنجاني وخاتمي بينا بدعمهما لكروبي وموسوي عن التزام حزبي عالي، فكلا الشخصيتين مدحت خطوات موسوي ودعمته، طبعا كل بطريقته وحسب منصبه ومكانته الدينية والاجتماعية والسياسية. وهذا ان دل على امر فإنه يدلل على حياة سياسية حزبية حقيقية في الجمهورية الاسلامية الايرانية، رغم السلطة الامنية العالية التي بيد رئيس البلاد ومرشد الثورة.

3- هيبة المرشد الاعلى:
صلاحيات مرشد الثورة في البلاد هي الصلاحيات الاعلى وبامكانه اقصاء اي رئيس للبلاد، لكنه ورغم كل الجدل حول واقع هذه الانتخابات والتي راح ضحيتها عدد من القتلى وعشرات المعتقلين ومئات الجرحى، دعم الرئيس نجاد وشد من أزره. طبعا الاخير وعلى غير عادة كل الرؤساء اثناء تنصيبه قبل يد مرشد الثورة، في خطوة منه نحو تبيان مدى ولاؤه لمكانة ولاية الفقيه، ولكنه رغم ذلك تمسك بصهره كمستشار شخصي له، بعد أن رفض تنصيبه مرشد الثورة في منصب رئاسة الحكومة، وذلك بعد سلسلة من انتقادات الاصلاحيين وبعض المحافظين له بتهم فساد لم يتم التأكد منها حتى اليوم.
الكثير من المؤسسات الاعلامية حاولت ايضا ابراز نجاد كشخصية تسعى رويدا رويدا للهيمنة على القرار السياسي في البلاد وبطريقة تلغي الحياة الديمقراطية فيها، وذلك عبر آليات عمل تستند إلى منهجية تبديل السلك الوزاري بصيغ تناسب نجادي وحده، ومنها التمهل في اعفاء صهره من منصبه رغم رفضه من قبل مرشد الثورة، واقالة رئيس الاستخبارات الايرانية وتنصيب آخر من داعمي نجاد.
الاصلاحيين ايضا كانوا اقل التزاما بقرارات وتوجيهات مرشد الثورة، والذي من المفترض أن يكون الاب الحاضن للاصلاحيين والمحافظين على حد سواء، فرغم طلبه الواضح بتوقيف المظاهرات كان الاصلاحيين يشجعون الشارع على الغليان ووصل بهم الامر إلى الالتزام بالشهادة ان اقتضى الامر.
طبعا كلا السلوكيين بينا عن حقيقة واضحة أن سلطة المرشد الاعلى قد تتحول يوما ما إلى سلطة روحية بعيدة عن التشريع والقوانين التنفيذية، وهذا الامر قد تشهده السنين المقبلة في حال حقق الإصلاحيين نصرا قادما، ويرجح حقيقة تحقيقه بعد موجه التعاطف الشعبي مع اسر القتلى في هذه الثورة المخملية التي من المؤكد أن الشارع الايراني لن ينساها.

4- الشارع الايراني:
بين الشارع الايراني بإصلاحيه ومحافظيه على حيوية سياسية عالية مشابه لتلك التي تعيشها الشوارع اللاتينية، وهذا يدلل على تنامي الشعور بالمواطنة بين ابناء هذا الشعب، ورغبتهم الحقيقية في بناء مجتمع حيوي، ولعل مشاركة المرأة الكثيفة في هذه المظاهرات لهو مؤشر عالي على مدى تطور المرأة الايرانية رغم دينية الدولة، وهذا بدوره قد يمهد مستقبلا لبروز قيادات نسائية هامة تعلي من مستوى مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد، وهذا بحق قد يؤدي لتنامي مشاريع التنمية المستدامة في البلاد، خاصة وان مشاركة المرأة الايرانية كما يبدو ستكون مشاركة فعلية وليست شكلية كما في البرلمانات المجاورة للجمهورية الاسلامية الايرانية.
جانب الشباب ايضا وخاصة الجامعيين منهم، دلل بعد مشاركتهم الكثيفة في التظاهرات على تنامي وعي سياسي وهذا بدره قد يمهد لظهور قيادات شابه مستقبلا كتلك التي ظهرت بعيد الثورة الطلابية في فرنسا أواسط القرن الماضي.
إن الحركة الشعبية العامة في ايران تبين صورة نضرة لمستقبل ايران، طبعا هذه الصورة لن تكون يسارية شديدة التطرف تنقل البلاد من مؤسستها الدينية نحو دولة علمانية عريضة البنيان، لكنها قد تمهد لبناء دولة اسلامية شيعية غير تبشيرية، أي دولة عنوانها العريض دولة ذات ابعاد استراتيجية سياسية اكثر مما هي دينية، وبانتهاجها لهذا المنهج قد تحاكي جارتها التركية سياسيا لكن بالتزام دستوري ديني أوضح من تركيا، كأن يسمح لرجالات الدين في قمّ بمكانة تشريعية في بعض قوانين البلاد، لكن ليس جميعها.

الرئاسة الايرانية:
إن اعتبار نجادي كرئيس للحكومة يعني استمرار تأجيج الخطاب الديني المستفز بين الشيعة والسنة، فهذا الرئيس مثل سابقا عنصرا اعلاميا ملفتا فيما يدعى محور الممانعة ومحور المولاة، ومثل وجوده في أي تواجد عربي عنصرا شيعيا أكثر مما هو سياسيا، وان كان لا يقصد هو ذلك، لكن المجتمع العربي بغالبيته قد عمم هذه الصفة عليه، والاعلام العربي روج ايضا لهذه الفكرة، مما جعله خصما لدودا للدول الداعمة للسلطة السنية في ادارة الدول العربية، حتى وان كانت علمانية في دساتيرها مثل مصر.
لذا فإن استمرار حكم نجاد سيدعم من محور التشدد الديني الذي بات معمما في منطقة الشرق الاوسط. ولعل هذا الخط كان مناسبا لو لم تأتي الانتخابات الاميركية بشخصية معتدلة مثل اوباما.
من هنا يستغرب حقيقة مدى تشبث مرشد الثورة لشخص نجاد، فاختياره اليوم وضمن المعادلات الدولية لن يكون بمثابة ورقة رابحة وتفاوضية عالية للجمهورية الاسلامية الايرانية كما كان زمان الرئيس الاميركي المتشدد جورج بوش.

تصفية قيادات المحافظين والمحاكمات:
عندما تكون أي بلاد في حالة تهديد خارجي، فإن خيار القبضة الحديدية للاجهزة الامنية يكون له قنوات تبرير، طبعا ربما بالغت الاجهزة الامنية والشرطة من بطشها للمتظاهرين، لكن هذا الامر هو بحق مؤكد رئيسي أن إيران جزء من الشرق ومن دول الجنوب رغم بذور الديمقراطية التي تعيشها أحزابها. مرشد الثورة نفسه وعبر خطاب يوم 25/9/2009 أكد على ضرورة محاسبة المتجاوزين من هذه الأجهزة وضرورة محاكمتهم، وذلك خلال خطاب يمكن تسميته خطاب مصالحة ومراضاة للإصلاحيين، بين فيه عدة نقاط هامة من ابرزها:
– رفض الاتهامات لهاشمي رفسنجاني وعائلته.
– عدم توافر أدلة لوجود تمويل خارجي للقيادات الإصلاحية.
جاء هذا الخطاب بعد تعالي صوت الاجهزة الامنية الايرانية التي بينت عن لقاء خاتمي في نيويورك مع ملياردير اميركي ساهم في تمويل الثورة المخملية في ايران، بالاضافة لاتهامات نحو أبناء رفسنجاني منها نحو زعزعة الاستقرار في ايران وأخرى تتعلق بتهم فساد.
مما دفع الرئيس الاسبق رفسنجاني ان يحرك دعوة ضد اتهامات أحمد نجاد وصهره مشائي التي جاءت خلال الحملة الانتخابية لنجاد متهمة اياه وعائلتهم بالتهم تتعلق بالفساد.
طبعا المحاكمات والاتهامات لم تقتصر على القيادات العليا من الاصلاحيين انما سبقتها جملة من المحاكمات لشخصيات اصلاحية وطلابية اقل شأناً هم من القيادات الميدانية التي قد تشكل مستقبلا مشروعا ثوريا آخر، وهذا الامر بات امرا مرفوضا ضمن المؤسسة المحافظة الايرانية، والتي تخشى على كينونة وجودها في حال غالت هذه القيادات من نشاطها الميداني، الذي قد يؤدي مستقبلا لحركات حزبية غير دينية أو ربما علمانية، وهذا بحد ذاته قد يخل بتوازنات البيت الداخلي الايراني الذي حسم قراره ضمن فلسفة ولاية الفقيه.
ومن هذا الواقع قد نستنتج سيناريوهات لحل المشكل الإيرانية هذا ان حلت:
1- سناريو الثورة الدموية:
وربما يكون هذا الخيار أضعف الخيارات التي سندرجها، لكونه سيعتمد على اعلان عريض يقضي بتصفية القيادات الاصلاحية، أو تصفية أعوانهم الرئيسيين، اما عبر محاكمات مدبرة وبتهم جاهزة. طبعا تأتي نقاط استبعاد هذا القرار نتيجة أهمية الشخصيات الاصلاحية، فأهم شخصيتين منهما “رفستجاني، خاتمي” كانا رؤساء ايران الاسبقين، ويشهد لهم عمليات اعمار ايران الحقيقية، ولديهم من الثقل الدولي ما يفوق حجم علاقات نجاد، حتى أن المرشح موسوي هو من الداعمين الاوائل لمفهوم ولاية الفقيه، لذا فإن عملية تصفيتهم إن أتت فإنها في قد تهدد كينونة ولاية الفقيه، وهذا ما لن يسمح به فقهاء قمّ، وقد يؤدي إلى عزل مرشد الثورة نفسه، ولعل إدراك مرشد الثورة لحجم الاصلاحيين هو ما يدفعه حقيقة لمغازلتهم في اغلب خطبه الاخيرة.

2- سيناريو صفقات الكبار الايرانيين:
في حال مصالحة بين الإصلاحيين والمحافظين، ربما يتحصل الإصلاحيين على مكاسب غالية من الحكومة القادمة تمكنهم من نيل نصيب يقارب النصف سواء اكان من الوزراء أو تنصيبات مكاتب البرلمان الايراني، وهذا الامر قد يؤدي مستقبلا لسلسلة تعديلات في القوانين الناظمة للبلاد، وهذا ما قد يقيد الرئيس نجاد ويضعف من حجم قراراته، التي سيعترضها دائما الحزب المعارض الاصلاحي، مما سيؤدي لافشال حكومته، نتيجة غياب توافق عام بين عموم الاطراف فيها.
طبعا إمكانية المصالحة بين الطرفين هي امر مستبعد ايضا، خاصة وأن كل من المرشحيين كروبي وموسوي قد اعلنا تمسكهما بقضيتهما حتى الرمق الاخير من حياتهما، وكان هذا الامر بسيطا لو لم يبادر نجاد وعدد من المحافظين لتوجيه اتهامات لاهم زعيمين للاصلاحيين “رفسنجاني، وخاتمي”، مما جعل الاخيرين داعمين لموسوي وكروبي بشكل شبه مطلق، وهذا ما سيعقد من معادلة حل المشكل الايراني بشكل شبه سلمي.

3- سيناريو القرار الحاسم:
وهذا لن يكون الا عبر الحرس الثوري الذي سيوصي المرشد الاعلى أن يمارس خطواته الكبرى في فرض رأيه، وقد يحمل هذا الرأي الخيارات التالية:
1- تصفية الاصلاحيين:
وهو خيار مستبعد كما شرح سابقا. لكنه يبقى ضمن سلسلة الخيارات. وان تم سيتم عبر محاكمات، تظهر أن كل من مرشد الثورة ورئيس الجمهورية في حالة قانونية بعيدة عن تصفية الحسابات.

2- عزل نجاد:
هو خيار يتعاظم يوما بعد يوم كما يبدو، وتشجع له المؤسسات الاعلامية الغربية والعربية بشكل عام، خاصة وأن الخطاب السياسي العالمي اليوم مع تسلم أوباما هو خطاب انفتاح على العالم، وليس خطاب صراع للحضارات.
وتوجد حقيقة عدة مؤشرات داخلية بينت عدم اجماع سياسي على شخص الرئيس أحمد نجاد، منها:
– عدد كبير جدا من البرلمانيين الايرانيين لم يشاركوا في مأدبة الافطار التي دعاهم اليها الرئيس أحمدي نجاد مع بداية شهر الصيام “رمضان”:
وهذا يدلل على عدم رضى تام على سياسة الرئيس الايراني حتى من بعض المحافظيين، بينما يوجد التزام شبه عام من عموم الاصلاحيين على عرقلة إي توجه للرئيس نحاد، خاصة وأن الاصلاحيين اعلنوا عن عدم شرعية هذه الانتخابات.
– تغيب نجاد عن حضور جلسة البرلمان التي يناقش فيها كفاءة وزراء حكومته:
سلوك نجاد قد يؤخذ ضمن خطيين:
خط استهتاري:
ويحاول فيه الرئيس تجاهل منتقديه وابعاد إي انتقاد قد يطاله، خاصة في هذه المرحلة التي تسعى فيها كل المؤسسات الاعلامية لبناء جدول آراء ينتقد الرئيس نجاد ويضعف من هيبته شارعيا.
طبعا استمرار هذا السلوك من الرئيس نجاد قد يجعله قويا لفترة أشهر قادمة لكنه قد يؤدي لتعاظم الانتقاد حوله، في حال استمر الاصلاحيين على خطاهم. ولعل قيام حركة قمع عامة تجاه الاصلاحيين مع استمرار الخط الاستهتاري سيمكن الاشهر القادمة أن تكون سنينا، لكنها قد تهدد البلاد برمتها من فقدان هويتها القائمة على الموائمة بين السلطة والمواطن، وهذا ما يجعل البلاد ضعيفة داخليا في حال أي تدخل عسكري خارجي.

خط اتكالي:
وفيه قد يعول الرئيس نجاد على ايمان مرشد الثورة به كشخصية محافظة قادرة على ادارة البلاد بصيغ تعزز من هيبة ولاية الفقيه، بالاضافة لعلاقته الطيبة مع قادة الحرس الثوري الايراني الذين والوه في مختلف خطاه.
إن هذين الفريقين هما الفريقيين الاهم في دستور البلاد وفي حمايتها ايضا، لكن تدخلهما المباشر قد يلغي الحياة السياسية في البلاد ويحولها لحياة شبه عسكرية، ولعل مراهنة الرئيس نجاد على هذا الخط قد تكون مؤذية للمرشد الاعلى كمكانة وهيبة. وهنا قد تكون التوجهات مدروسة أكثر عند المرشد الاعلى بخبرته الطويلة في فهم المعادلة الاجتماعية والسياسية للبلاد، ومن المؤكد في حال غالى الرئيس نجاد من استخدامه لهذا الخط فإن مرشد الثورة قد يأخذ بآراء بعض رجالات قم، ومنهم المرجع الديني محقق داماد الذي حذر من انهيار البنى التحتية للنظام السياسي الاقتصادي في البلاد نتيجة انهيار البنى الاخلاقية….
طبعا تعاظم هكذا آراء مع استمرار مقاطعة من الاصلاحيين قد يؤدي مستقبلا إلى توجه مرشد الثورة نحو محاكاة الاصلاحيين في طلباتهم، وتجاهل المؤسسة المحافظة بغية استمرار الحياة الاقتصادية التي تشكل عصب الحياة اليوم بالنسبة للشارع القادر على الغليان رغم أية آلة قمع ضده.

3- تعديل الحكومة واختيار تعينات الوزارات وفق مصالحة بين المحافظين والاصلاحيين:
إن عدم حضور الرئيس نجاد لجلسة نيل الثقة لوزرائه، يدلل على غياب رغبتة اليوم في محاكاة الاصلاحيين ومراهنة عالية على كلا الخطيين السابقيين، لكن بايجابياتهم لنجاد دون الاخذ بالسلبيات المستقبلية.

نتائج ضربة عسكرية إلى ايران:
بين الشارع الايراني عن شعور عالي بالمواطنة، وهذا الشعور هو بحق أهم من السلاح النووي الايراني الذي يخاف منه الغرب واسرائيل وبعض الدول العربية، ولعل مراكز الدراسات الاستراتيجية الساعية لهندسة العالم جيو-سياسيا تدرك ذلك بعد تجربة الحرب الايرانية العراقية التي دللت على إمكانيات عسكرية متواضعة نسبيا عند الإيرانيين أمام آلة التطور التكنولوجي العالمية، لكنها في الآن ذاته تدرك مدى إيمان وقناعة المقاتل الايراني في المعركة، خاصة وأن الشارع من خلفه يدعمه بشكل شبه مطلق وخاصة من القوميتين الفارسية والآذارية.
أما اليوم فإن الشرخ بين الإصلاحيين والمحافظين أدى لجرح يصعب مداواته، بين كلا الجمهوريين، وهذا قد يمهد لثقافة عداء للسلطة الحاكمة في حال تدخل خارجي، اما يأتي عبر عمالة داخلية للخارج أو عبر مظاهر شماتة تهدد هيكل البنى التحتية للجمهورية التي ترتكز كما بين المرجع الديني محقق داماد على البنى الاخلاقية التي ونتيجة غياب مظاهر الثقة في مفهوم المواطنة جراء القمع، قد تتحول إلى مخاطر جدية بحق البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ومن هذه العبارة علينا النظر جديا بشأن المشكل الايراني، لأن أي خلل في المعادلة السياسية لايران سينعكس على عموم المنطقة المشتعلة أساسا، سواء في العراق أو في باكستان وأفغانستان، فإيران اليوم هي إحدى أهم الجزر الامنه من السلفية الجهادية للقاعدة، ومن مصلحتها ومن مصلحة عموم دول المنطقة أن تستمر بتوجهها هذه في هذا الملف، وإلا باتت المنطقة بعمومها مرتعا صالحا لهكذا تنظيمات، تتوالد بشعور العاطفة وتغزيها فلسفة الجهاد القائم على نظرية الولاء والبراء.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s