السلفية واجهة الأحداث في لبنان

بقلم: عصام خوري

05/01/2008

5335155_1432112017.jpgأدى التطبيع بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أبو عمار “ياسر عرفات” والحكومة الإسرائيلية إلى تمزق حركة فتح بين مؤيدين للتوجه السلمي ومعارضين له.
فئة المؤيدين وجدت في العمل السياسي خير توجه، رغم عدم تخليها بشكل مطلق عن التدريبات العسكرية. بينما وجدت الفئة المعارضة نفسها وحيدة وبغياب تمويل يدعم توجهها المقاوم، مما جعلها عرضة لتدخلات رجال المال السلفيين أو الداعمين لهذه السياسة بغية السيطرة عليها ليكونوا في النهاية مليشيا تابعة للجهة الممولة، ودائمة كان الغطاء النصوص والتفاسير التكفيرية في الدين الاسلامي، وتلك المعنية بإعلاء أجر الشهادة عند الله في يوم الحساب.
مما جعل نشطاء فتح المعارضين للتطبيع متحولين من اليسار واللبرالية نحو السلفية الموزعة بين عدة جماعات متمايزة عن بعضها بالولاء ومتشاركة بالهدف.

أهدف الجماعات السلفية:
تتمايز أهداف هذه الجماعات مع تنامي التغير الدولي، ووضعها الإقليمي، وتوجيهات مانحيها، أو مدى الضيق المادي الذي تتعرض له.
حيث أكد تنظيم جند الشام في أدبياته على ضرورة التصدي “للهجمة” التي تستهدف العالم الإسلامي وتحرير أرضه، كغيره من التنظيمات السلفية. إلا أن دخوله على خط الأزمة السياسية الداخلية في لبنان، جعله يوجه إنذاراً عام 2005 “بذبح كل من يتعامل مع الإرادة الغربية،” كما هدّد “السلطة الحاكمة” ومن يدعمها والأكثرية النيابية، وجميع من وصفهم بـ “المتواطئين مع الإرادة الغربية الأميركية والفرنسية والمشاريع الإسرائيلية بالذبح!”
وسابقا أرسلت الجماعة بيانات إلى دار الإفتاء الجعفري في صور تهدد باغتيال تسع شخصيات شيعية في لبنان، منها رئيس المجلس النيابي نبيه بري والمرجع الشيعي الشيخ محمد حسين فضل الله ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان ورئيس كتلة نواب حزب الله في البرلمان محمد رعد ومسؤول حزب الله في الجنوب الشيخ نبيل قاووق.
واثناء معارك نهر البارد بين حركة فتح الإسلام والجيش اللبناني، تجنب نشطاء حركة جند الشام التداخل في هذا الملف، رغم التهديدات المتواصلة والاستنكارات الشعبية من سكان المخيمات الفلسطينية للقصف القاسي من قبل الجيش اللبناني للمخيم، والأهالي الآمنين هناك.
مما جعل التنظيم يفقد حماسة نشطائه، وخاصة الجدد منهم والمتزمتين دينيا، لينقسم حركيا بين تيارين الأول التيار الملتزم بآراء أسامة الشهابي (أبو دجاجة”أردني الجنسية”) وابو يوسف شرقية الذين أعلنا عام 2005 حل أي ارتباط لهما بالجماعة، ليختفي الجناح “الفكري” فيها، مقابل بروز الجناح العسكري، متمثلاً بالفلسطيني عماد سليمان، واللبناني غاندي السحمراني، أحد أبرز مطلوبي قضية الضنية، واللبناني شهاب قدور، “أبوهريرة،” أحد قادة التنظيم الذين فروا من الضنية. وقد اختفى قدور عن الأنظار، ليظهر لاحقاً كقيادي في حركة فتح الإسلام بمخيم نهر البارد.
وتؤكد بعض المعلومات أن جند الشام ترتبط بعلاقات وثيقة مع فتح الإسلام، من حيث تبادل الخبرات العسكرية والمقاتلين، وتزايد التنسيق بينهما في هذا الشأن بعد نهاية معركة نهر البارد، حيث استقطب جند الشام بعض الهاربين من نشطاء فتح الاسلام برعاية من جماعة عصبة الأنصار التي يتزعمها هيثم السعدي الملقب “أبو طارق” و وفيق عقيل الملقب “أبو شريف” ومحمد مصطفى الملقب “ابو عبيدة”، حيث امتازت هذه العصبة بالنشاط الفكري الكبير لها، وتوفر الموارد المادية التي ساندت بها الجناح العسكري لجماعة جند الشام، لدرجة بات البعض يرى في جماعة جند الشام أداة لجماعة عصبة الانصار.
علاقة جند الشام وفتح الاسلام:
يتمركز نشاط كلا الجماعتين السلفيتين في مناطق المخيمات الفلسطينية “1”، التي تحوي ما يقارب 404 ألف شخص، بينهم 213 ألف فقط مسجلين في الأنوروا، وبالتالي نسبة الفلسطينيين تصل إلى نحو 12% من إجمالي سكان لبنان “2”. إلا ان هذه النسبة محرومة من مزاولة عدد كبير من الحرف والأعمال “أكثر من 70 حرفة” مما جعل الشباب الفلسطيني اللاجئ عاطل بغالبيته عن العمل، وعرضة للابتزاز المالي خاصة اذا ارتبط بهدف مصيري ووطني “تحرير بيت المقدس” وتحقيق دولة الخلافة الاسلامية على يد مجاهدين سخروا طاقاتهم للتقرب من الملكوت عبر الشهادة. من هذا الواقع قد يجد المراقب تقارب أيدلوجي بين الفريقين الجهاديين، في كثير من الاحيان كان التقارب يتجلى في الممارسة العملية حيث انضم عدد كبير من مسلحي جند الشام إلى مقاتلي فتح الاسلام بعد اتهام الاخيرة باحداث تفجير الحافلتين في 13 فبراير الماضي. وخلال احداث الشغب بين السنة والعلويين في الشمال، خاصة وأن عدة شخصيات طرابلسية تعمل في الخارج تؤازره ماديا جماعة جند الشام، ويقال أن مؤسسات الحريري الخيرية في طرابلس كانت السند الأول لجماعة فتح الاسلام وعصبة الانصار، لهدف تهيئتها كقوة سنية مقابل شيعة الجنوب “حزب الله”.
وقد استطاع الجناح العسكري لجماعة جند الشام ضم عدد من نشطاء جماعة “عصبة النور” بعد أن قتل زعيمها عبد الله الشريدي، وعدد آخر من جماعة “عصبة الانصار” بعد تسلم رئاسة التنظيم “لأبي عبيدة” ، بالاضافة لعدد من نشطاء “فتح- المجلس الثوري. ليكون هذا التنظيم بعد خسارة جماعة فتح الاسلام معركة نهر البارد، الجماعة السلفية الاقوى في مناطق المخيمات، رغم انحسار وجودها في منطقة التعمير المجاورة لمخيم عين الحلوة.
سلوك الجماعات السلفية الجديد:
انتقد الشيخ حسن نصر الله سلوك الجيش اللبناني ومن بعده حكومة السنيورة في طبيعة تعاطيها مع مخيم نهر البارد، دون أن تتدخل أي من ملشياته في هذه الحرب، في مسعى منه لتحيد الشيعة عن المواجهة مع سنة الشمال، في مسعى منه لتركيز نشاطه في الجنوب ساحة معركته الفعلية.
من زاوية أخرى. الجماعات السلفية التي لطالما تلقت الدعم من أسرة الحريري وتيار المستقبل لهدف دعمها في الانتخابات والترويج لها شعبيا، وجدت نفسها وحيدة في ظل حكومة سنية ضعيفة لا تمتلك السلطة على جيشها، الذي سخر كل إمكانياته لضربها في مخيم نهر البارد، مما اضعف من بنيتها العسكرية وقلص من مشروعها الجهادي، ولعل اجتياح مدينة بيروت من قبل حزب الله مؤخرا ابرز هذا الضعف بشكل لا يقبل نقاشا. ولعل شخصية المجاهد السلفي المرتزق هي شخصية معقدة ترفض الهزيمة، ودائما تبحث عن السند الذي يعزز من وجودها ميدانيا، لتكون هي العنصر الأقوى والاميز في منطقة نشاطها، من اجل جمع اكبر عدد ممكن من الانصار لها. من هذه الشخصية نستطيع فهم مدى النزاع المتواصل بين حركة فتح في المخيمات وهذه الجماعات رغم اقتراب هدفهما المباشر “حق العودة وتحرير فلسطين”.
إن شخصية السلفي بالاضافة للزاويتين السابقتين تبينان امكانية تقبل تقارب التيار السلفي من فريق حزب الله، الذي يجد نفسه في ظل معادلة 14-8 آذار، بعيدا كل البعد عن هدفه الاساسي والميداني “تحرير الاراضي اللبنانية كخطوة أولى نحو تحرير كل الأراضي المحتلة”، إلا أن السياسة السرية لحزب الله في مناطق الجنوب، تجعله حذر كل الحذر من هذا التيار المتقلب الأهواء والأهداف.
لكن فهم حزب الله للشخصية السلفية قد تجعله يحمّل هذا التيار ملفات يرغب بتحقيقها، دون أن يظهر فيها طرفا رئيسيا، مثل:
1- تهديد قوات اليونفيل، وضربها، خاصة وأن أدبيات هذه الجماعات تبيح ذبح الغربيين على الأراضي الإسلامية والعربية، كما بينا سابقا.
2- تقليص مسافة انتشار قوات اليونفيل لتكون على الحدود مباشرة.
3- إضعاف سلطة تيار المستقبل على هذه الجماعات.
4- ابراز هدف الجهاد كركيزة رئيسية، بدل النزاع الشيعي السني الحاصل حاليا، خاصة وأن الجماعات السلفية هي القوى العسكرية الحقيقية للسنة، وليس لتيار المستقبل سوى الواجهة السياسية.
آلية التنسيق بين حزب الله والجماعات السلفية:
تشير معلومات من جهات مختلفة، عن لقاءات غير مباشرة بين قياديين عسكريين مواليين لرؤية فريق أسامة الشهابي وابو يوسف شرقية المنسحبين اسميا من تنظيم جند الشام، وبعض من أنصار حزب الله الحركيين لهدف ترسيخ رؤية جهادية وفق المحاور سالفة الذكر، وبدعم من الخارجية الايرانية، التي استطاعت جمع معلومات قيمة من فرع استخبارات فلسطين في دمشق، المسؤول عن متابعة ملف الحركات السلفية وخاصة تلك الناشطة في المخيمات الفلسطينية.
حيث يسعى مؤخرا فريق من فتح الإسلام في الأراضي الأردنية لتعزيز وجوده، من خلال تنسيق علاقات قوية الأثر مع زعيم تنظيم جند الشام في الأردن رائد خريسات الملقب “أبو عبد الرحمن الاردني”، وهو الشخصية القادرة على توفير تمويل جيد من خلال علاقته السابقة مع زعيم تنظيم القاعدة الاسبق في العراق “الزرقاوي”، ويأتي هذا التنسيق في مساعي لضرب النفوذ الغربي في لبنان لهدف إعادة هيبة المقاومة السنية وعدم استئثارها بالشيعة فقط، وبدوره حزب الله لن يمانع من نفاذ هذا المشروع في مناطق انتشار اليونفيل، لكن تحت رقابته الغير مباشرة، لتتشابه هذه العمليات مع عمليات قذف الصواريخ الفلسطينية بغياب معرفة حزب الله، والتصريح بذلك عبر الإعلام، كما في السنوات الماضية.
وحتى حصول الشركاء السلفيين على التمويل، تبقى آليات العمل لبعض الهجمات، قيد التفاوض لتحقيق أكبر فوائد لأي من هذه الجماعات.

“1”: حسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة “الأونروا”، يبلغ عدد المخيمات الفلسطينية في لبنان 16 مخيماً، هي عين الحلوة ونهر البارد والرشيدية وبرج البراجنة، والبرج الشمالي والبداوي وويفل “الجليل” و”المية ومية” والبص ومار الياس وصبرا وشاتيلا وتل الزعتر والنبطية والدكوانة وجسر الباشا، علماً أنه تم تدمير المخيمات الأربعة الأخيرة أثناء الحرب اللبنانية (1975-1990)..
“2” ” الأونروا تقرير 2005″.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s