السعودية والحرب النووية

بقلم: عصام خوري

09/01/2010

2857635594976410358رغم زيارة احمدي نجاد للمملكة العربية السعودية العام الماضي، وجملة التطمينات الفارسية للمملكة. لم تتوقف المملكة عن حركتها المناوئة للمشروع النووي الايراني، ومن زاوية ثانية اعلنت كل من السعودية ومصر والأردن رغبتها في بناء مفاعلات نووية سلمية أسوة بالدولة الإيرانية.
كما جاءت حرب تموز ايضا لتعطي جملة توازنات جديدة في المنطقة فحزب الله اللبناني والذي يشكل حركة مقاومة مساندة للمشروع الإيراني نجح في منع الإسرائيليين من تحقيق مطامعهم المتمثلة بعزل حزب الله عن سلاحه، وفك ارتباطه بايران، مما جعل كل الاوراق الاميركية الاسرائيلية في المنطقة ترجح الخيار العسكري المباشر مع ايران لكن كيف ومتى واين ؟
هذه الاسئلة بأجوبتها وخياراتها الكبيرة والغزيرة، دفعتنا للبحث في الخبر الذي نشرته صحيفة ” Sunday Times” أواسط الشهر الماضي، الذي اشار إلى أن السعودية قد تفتح اجوائها للطيران الاسرائيلي لضرب ايران في حال أقدمت اسرائيل على خطوة تصفية للبرنامج النووي الايراني.

ضربة عسكرية من الجو:
خلال شهر حزيران نشرت عدة وكالات أنباء أخباراً عن تدريبات عسكرية جوية للطيران الإسرائيلي تتمثل بإصابة أهداف في منطقة جبل طارق بعد إقلاع الطائرات الإسرائيلية من أراضيها، وللأسف لم يتابع الإعلام تغطية هذه التدريبات ومدى نجاحها، وهنا بالامكان استنتاج الخيارين التاليين:

1- نجاح هذه التدريبات:
ان النجاح في امكانية اصابة هذه الاهداف، سيعطي الثقة للإدارة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في اسقاط المشروع الايراني النووي عبر تنفيذ حملات جوية تتجاوز فيها الطائرات الاسرائيلية كل من الحدودين الاردنية والعراقية لتصيب اهدافها في الاراضي الايرانية، خاصة وان الاسرائيلين دفعوا اموالا كثيرة للروس بغية عرقلة صفقة بيع بطاريات الصواريخ “س 300” لايران التي تشكل منظومة دفاعية عالية الاداء تحمي مناطق المفاعلات النووية.
وطبعا يأتي هذا الخيار بمنظوره العام كخيار عسكري أفيد واقصر من انطلاق تلك الحملات عبر اراضي المملكة العربية السعودية في حال كان هذا الخبر صادقا، إلا أن هذا الخيار هو خيار غير استراتيجي للسياسة الاسرائيلية والاميركية في المنطقة.
فالنظام الايراني لن يقف مكتوف الايدي امام هكذا ضربة جوية، فهو قد اعلن اكثر من مرة انه سيدافع حتى الرمق الاخير ضد أي خطر خارجي سواء اكان عبر القوات الدولية في الخليج او عبر عدوته التقليدية الاولى في المنطقة اسرائيل. خاصة وان ترسانة الصواريخ الايرانية تشكل عند المراقبين العسكريين نقطة فارقة في النزاع العسكري الاقليمي على منطقة الشرق الاوسط، حيث تمكن حزب الله والذي يشكل خلية متواضعة تقنيا من اصابة اهم بارجة عسكرية اسرائيلية خلال حرب تموز خارقا بذلك كل موجات التشويش الرادارية التي تملكها تلك البارجة، من هذا المثال البسيط يتأكد فرضية أن الإيرانيين يملكون كتلة صواريخ اكثر نفاذا في اراضيهم، وبامكانهم حقيقة اصابة تل ابيب ومفاعل ديمونة ولو باصابات بسيطة لكن آثار هكذا اصابة ستكون كارثية على المجتمع الإسرائيلي القائم على الهجرة الدينية. فهل ستقدم إسرائيل على هكذا خطوة!.

2- فشل تجربة مضيق جبل طارق:
إن امكانية فشل تجربة مضيق جبل طارق، ستجعل الإسرائيليين يفكرون جديا بجملة خيارات عسكرية تكتيكية تقوي من شكيمة طياريهم، ومنها تقصير مسافة الطيران، وهذا لن يتم الا عبر ابرام هكذا صفقة مع الخليجيين، لكن من من الخليجيين قد يسمح بذلك:
الكويت: من الصعب الانطلاق من الاراضي الكويتية رغم قربها الشديد من الاراضي الايرانية، فالنظام الكويتي هو نظام عشائري ويمتاز ببرلمان نشط نسبيا، وهذا الامر قد يؤدي لسقوط النظام الملكي الكويتي عبر عمالته الواضحة مع اسرائيل، ومن زاوية اخرى الوجود الشيعي الكبير المجاور والمطوق للكويت قد يهدد الاستقرار في البلاد، مما يستبعد خيار هذه الدولة الغنية بالنفط والتي يحتاجها العالم كدولة مستقرة وآمنة خادمة امينة للاقتصاد العالمي الذي لا يحتاج الى هزات جديدة.
البحرين: رغم وجود أهم قاعدة عسكرية اميركية فيها، لكن خيار ضرب دولة شيعية من ارضها سيؤدي بشكل مطلق لسقوط الحكومة شارعيا وخلال ايام قليلة، فالغالبية الشيعية قادرة على فعل الكثير ضد الملكية البحرينية.
قطر: لا تخفي قطر دورها كدولة حوار بين المعسكر الغربي والنظامين الايراني والسوري، لذا امكانية انطلاق الطائرات الاسرائيلية من ارضها هو امر مرفوض ملكيا رفضا مطلقا.
الامارات العربية المتحدة: رغم الاحتلال الإيراني لجزيرتين من جزرها، لكن الإماراتيين هم تجار الخليج الاهم، ويسعون لان تكون دولتهم الدولة الأولى خدماتيا في العالم، واي مخاطرة عسكرية من اراضيهم ستجعل دولتهم في اتون حرب ضارية تخسرها كل ما أعمرته إدارتها الاقتصادية المميزة خلال عقود.
عمان: هي دولة بعيدة جغرافيا عن مناطق المفاعلات، ثم انها دولة يغيب عنها الوجود الشيعي تماما، واهميتها الاقتصادية باشرافها المباشر على اهم مضائق العالم لن يجعلها خيار استراتيجي لانطلاق حملات جوية تستهدف ايران. وقد زار سلطانها الاراضي الايرانية لمدة ثلاث ايام متوالية خلال ازمة الاصلاحيين ولانتخابات بداية شهر آب، مما يدلل على تخوف السلطنة من الهيمنة الفارسية للخليج العربي في حال اصيبت ايران بضربة عسكرية.
السعودية: السعودية دولة وهابية تضطهد التجمعات الشيعية على اراضيها بغير محاسبة ورقيب. مما يجعل اراضيها منطقة طيبة لاستمرار النزاع الشيعي السني في منطقة الشرق الاوسط وهذا النزاع يفيد الإسرائيليين والأميركيين في عموم منطقة الشرق الاوسط “حيث يتحول النزاع من نزاع عربي اسلامي- اسرائيلي يهودي، الى نزاع شيعي-سني، أي نزاع بين المسلمين انفسهم، يتشابه بالنزاع الفلسطيني الفلسطيني اليوم، وبهذا الاسلوب تصبح اسرائيل في منأى عن الضغوط العربية ومشاريع التطبيع الغير مفيدة للاسرائيلين بشكل مطلق”، كما ان السعودية تسخر كل امكانياتها الاعلامية لمحاولة دعم التيار الاصلاحي في ايران، وذلك رغبة منها في تقليص دور ولاية الفقيه ومشروع تصدير الثورة الايرانية لعموم المنطقة العربية ذات الغالبية السنية. لذا فامكانية اختيارها من قبل الاسرائيلين والاميركين لاطلاق هكذا حملات ستجعلهم يحققون هدفين معا
الاول: رفع امكانية تصفية المشروع النووي الايراني لنسب عالية.
الثاني: تعزيز النزاع الشيعي السني في منطقة الشرق الاوسط، مع استمرار هيمنة النظام الوهابي على مقاليد السلطة في المملكة، نتيجة ضعف شيعة المملكة امام السلطة.
العراق: لا دولة حقيقية في العراق، وامكانية الانطلاق منه سهلة لكنها لن تتم الا بالخفاء، وهي بلا شك ستزيد من الفرص العسكرية لتصفية المشروع النووي الايراني. لكنها في المقابل ان عرفت للعراقيين قد تساهم في تنامي الشعور القومي عندهم، فسيتماسك الشيعة والسنة معا ضد الاحتلال العسكري الاميركي الذي سمح لانطلاق الطيران الاسرائيلي من الاراضي العراقية، وسيؤدي هذا الامر لتنامي المقاومة العراقية التي هي اساسا قد كبدت القوات الدولية وخاصة الاميركين منها خسائر شديدة منذ بداية الاحتلال وحتى اليوم.
كما ان الإيرانيين وعبر علاقاتهم الطيبة مع المالكي قد يتحصلوا على معلومات مسبقة عن هكذا ضربة وهنا قد يلغى عنصر المفاجأة والمباغتة، الذي يعد ركنا اساسيا في الطلعات الجوية الخاطفة كهذه العملية.

من هذا العرض السريع، نرى أن الاراضي السعودية هي اكثر الاراضي فائدة للمشروع الاميركي الاسرائيلي في المنطقة، لكن هل من الممكن ان تقدم السعودية على هكذا عمل!!.

بين الشائعة والحقيقة:
لم تبين Sunday Times من اين اتت معلوماتها هذه، وهذا الامر قد يشكك في هذه المعلومة بشكل كبير، فالمراقب للشأن العربي يدرك تماما أن أي عمالة لاي دولة عربية لاي نظام عالمي هو امر مقبول بحكم العادة، لكن العمالة لاسرائيل بشكل خاص هو عمل مشين تماما، حتى أن النظامين المصري والاردني المطبعين عبر اتفاقيتي سلام مع الإسرائيليين يتجنبان التصريح عن المشاريع الاقتصادية المشتركة بين الدولتين من اجل استمرار هيبتهم شارعيا.
فكيف يتقبل النظام السعودي هكذا عمالة علانية، وهو المعروف عنه كدولة داعمة للقضية الفلسطينية، وكان من اكبر الممولين لحركة حماس سابقا، وهو اليوم في طليعة الدول الداعمة لحركة فتح، ويضاف للسعودية دورها الديني الرفيع بين ابناء الامة الاسلامية، فالملك عبد الله يلقب بخادم الحرمين الشريفين، ومن المحال ان يكون هكذا منصب في سلوك عميل للاسرائيلين مهما وصل خصامه مع الدولة الفارسية الصفوية كما يحلو للسنة وصفها.
لذا فهذه الشائعة هي بالفعل مستبعدة، ولا تدخل الا في اطار مفهوم الشائعة. لكن قد يستغل الاسرائيلين القواعد الاميركية في الخليج العربي للقيام بطلعات جوية مترافقة مع طلعات جوية اخرى قادمة من اسرائيل نفسها، بحيث يزرعوا الشك بمكان انطلاقهم الفعلي مستغلين الرادارات الأميركية في البوارج الحربية المنتشرة في الخليج لخلق نطاق تشويش على الرادارات الإيرانية.
تطبيق هذه الخطة لن يكون سهلا بغياب تنسيق امني مع الفريق المعاون للامير مقرن بن عبد العزيز ال سعود، فدخول طيارين اسرائيليين لاراضي المملكة وحتى في مناطق المعسكرات الاميركية المغلقة هو امر مناط فقط بأعلى سلطة امنية في المملكة. وفي حال تم هذا الامر، فإن الحرس الثوري الايراني لن يكون متهاونا بهذا الخصوص، وبدون ادنى شك سيعيش الخليج العربي والسعودية أياما دامية.
بدورها دول مجلس التعاون الخليجي لن تساهم في هكذا خطة ولن تضع يدها بيد الاستخبارات السعودية، لكنها ايضا لن تستطيع ردع الأميركيين عن هذا المشروع في حال قرروا السماح للإسرائيليين به، فكل دول مجلس التعاون الخليجي هي متضررة من النفوذ الايراني العسكري المتنامي، لكنها لا ترغب المغامرة باقتصادياتها من اجل مشاريع نووية هي بعيدة اساسا عن معادلتها.
مصر ايضا لن تمانع هكذا مشروع خاصة ان تم بشكل غير علني، وإن كانت ستظهر بعد تنفيذه استيائها للاعلام الرسمي من اجل مراضاة شارعها المتعاطف مع أي دولة ضد اسرائيل.

لفائدة من هذه الشائعة؟
المستفيد الاول من هذه الشائعة هو اسرائيل، فمن خلال هذه الشائعة ستزيد سلة الاوراق الضاغطة على النظام الايراني، وستظهر اسرائيل بمثابة الشرطي المدافع عن الدول النفطية الخائفة من النفوذ الايراني. هذا الرأي سيدعم اسرائيل دوليا ويعطيها الشرعية الدولية في القيام بهكذا خطوة، خاصة وأن أي ضرر يصيب الدول النفطية العربية سيؤثر على بورصات الاسواق العالمية التي لم تتعافى بعد من أزمة العقارات.
راي آخر لا ادري ان كان مصيبا، ومفاده أن المؤسسة الملكية في المملكة منقسمة بين تيارين الاول يتزعمه الامير مقرن وهو الاقرب للملك، والتيار الثاني متمثل بالامير بندر، ونتيجة هذا الخلاف قد تصدر الاشاعة من طرف تجاه طرف آخر. لكن الواضح أن الاعلام العربي الذي تهيمن عليه المملكة العربية السعودية ومصر لم يشر بأي إشارات لتصريحات ” Sunday Times”، كما أن الاعلام العربي المقرب نسبيا من حزب الله وسوريا وقطر لم يعرض هذه التصريحات ايضا. وهذا يدلل على جانبين:
1- في حالة صحة هذه المعلومة: منعت السلطات السعودية المؤسسات الاعلامية العربية المقربة من محور الاعتدال عن التعليق حول هذا الخبر، وبدورها المؤسسات الاعلامية الداعمة لمحور الممانعة وجدت حرجا في التصريح عن هذا الخبر، لانه صعب التصديق وسيجعلها في مرمى سخرية الاعلام المعادي لمحورها.
2- في حال كانت هذه المعلومة بمثابة شائعة فقط: فمن المستغرب حقيقة عدم التركيز الاعلامي حولها، فعادة الاعلام العربي يستنكر هكذا اتهامات، ويستغلها للاعلاء من وطنية الحكومات والتزامها بسياسات رفض التطبيع. من هذه الزاوية فقط قد ينظر المحللون بنوع من الجدية لهكذا شائعة، وعلى اساسها قد تبنى معايير جديدة للوحة الصراع الشرق اوسطي، رغم لغة السلام التي تنادي بها ادارة اوباما منذ تسلمها مقاليد السلطة.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s