الرمل الفلسطيني موطن الاستثمار وموطن القهر

بقلم: عصام خوري //جريدة الجمهورية//

13/08/2013

64656476لطالما كان الاقتصاد محرك السياسة فلا سياسة مديدة بدون رؤية استراتيجية للمهندس الاقتصادي، مشكلة دول العالم الثالث انها لا تمتلك قرارا اقتصاديا ناضجا ومستقلا، فكانت سياساتها قمعيه لانها عاجزة عن تبرير كمّ الفشل الذي تسببه للقمة عيش المواطن

الرؤية الاستثمارية:
الحكومة العسكرية زمان الرئيس الاسد الاب دمرت واحد من اجمل الشواطئ المطلة على المتوسط وهو كورنيش مدينة اللاذقية عبر استبداله بمرفأ تجاري يتوسط شاطئها السياحي، مما حولها من متنفس سياحي لكل السورين نحو مرفأ غني بالبيتون والحاويات المعدنية.
هذه الجريمة السياحية ربما لم تكن متعمدة، ففي عصر الحكومات العسكرية الجمال هو امر ثانوي امام متطلبات المرحلة. ولكن وبعد تسلم الرئيس الشاب مقاليد الحكم، وسعيه لتحويل النظام الاقتصادي السوري من “نظام اشتراكي” الى نظام سوق مفتوح، كان ضروريا تشجيع المستثمرين على الاستثمار داخل سوريا، وهذا الامر لن يتم الا عبر الاكثار من المرافق السياحية والخدمية، فأوكلت المهمة في هذا الامر لرامي مخلوف “ابن خال الرئيس” الذي سعى لتأسيس شركة شام قابضة، وحمس عدد من الاقتصاديين الاخرين لتأسيس شركات قابضة اخرى…
الساحل السوري موطن مميز للاستثمار، خاصة في بلد متعدد الفصول ومطل على المتوسط كسوريا، ولعل منطقة الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية هي اهم نقطة استثمارية على المتوسط وهذا ما دفع مخلوف وغيره للسعي في محاولة استملاك هذه الاراضي، خاصة وانها مناطق مخالفات سكانية.
وبالفعل طرحت عدة افكار لمحاولة نقل القاطنين فيها الى مناطق اخرى واخلائها للاستثمار، الا ان ذلك الامر كان مستحيلا في ظل الكثافة السكانية الكبيرة القاطنة في هذه المنطقة قرابة “200 الف نسمة”، كما ان سكان أي قرية محيطة باللاذقية كانت ترفض احتضان هذه الكتلة البشرية الكبيرة لدواعي اختلاف التقاليد والمذهب والعادات، مما أجّل مشروع هدم هذا المخيم لوقت غير محدد، لكن هذا السلوك ارعب قاطني هذا المخيم ففي أي لحظة قد يأتي قرار الهدم وربما يكون بدون تعويضات، وحتى ان قررت الدولة تعويض ساكني هذا المخيم فانها لن تقدم المساهمة المالية الا للمنازل الداخلة ضمن المخطط التنظيمي للمخيم، وفعليا تعداد الغرف الغير نظامية والتي تحوي العديد من الاسر هو اكبر بكثير من تلك النظامية، وهذا يعني كارثة سكانية لن يستطيع النظام استيعابها في ظروف الاستقرار السياسي.

ديموغرافيا المخيم والثورة السورية:
سكان منطقة الرمل الفلسطيني ينقسمون لقسمين قسم فلسطينين نازح متمركز في حي يدعى (مخيم العائدين) ويقدر عددهم بقرابة 20 -30 الف نسمة أي ما نسبته 3.5% من عموم الفلسطينين النازحين في سوريا.
وقسم اخر أغلب سكانه من ريف ادلب وحلب، ويشكل هذا القسم غالبية اليد العاملة في مدينة اللاذقية ويرتبط بقرابات ومصاهرات مع عموم سكان الاحياء الفقيرة الاخرى في المدينة “بستان السمكة، الحمامي، نزلة حي الشعب، السكنتوري”…
هذه الاحياء كانت الحاضنة الشعبية ضد النظام السوري، “فالفقير لا شيء يملكه ليخسره”، من هنا اقيمت “ساحة للحرية” في حي الرمل الفلسطيني، وكان اغلب القادة الميدانين للمظاهرات هم “باعة الخضرة، الحرفيين، وصيادي السمك…” مما اعطى انطباعا على كمّ القهر الذي وصل له الفرد في سوريا نتيجة التغير الاقتصادي، فسوريا انقسمت لفئتين واضحتين:
1- فئة ثرية مقربة من السلطة او من احدى دوائرها تبحث عن الاستثمار السريع.
2- فئة مدقعة بالفقر سدت بوجهها كل سبل الدعم لتتطور.
الفئة الاولى تحولت لفئة محرضة على فقراء المدن المتمركزين في الاحياء العشوائية، فاتهمتهم باتهامات “الارهاب، السلفية الجهادية، التكفيرين” وجيرت الماكنة الاعلامية للحزب الحاكم والاجهزة الامنية والاعلام الرسمي لتشكيل لوبي ضاغط هدفه تقسيم المدن لقسمين “فقير، ومعتدل” وسعت لابراز الوجه المتخلف للفقراء مقابل مطالبهم المنادية بمعايير الحرية والعدالة.
في حين توجهت الفئة الثانية نحو المؤسسة الدينية، في ظن منها ان الثري لن يخدمها بينما “الله سينصرها” طبعا بعض الاثرياء او متوسطي المدخول دعموا هذه الفئة من منظار أخلاقي وقسم كبير منهم دعمه من منظار طائفي، خاصة اثرياء سنة المدن في المهجر.

من هذا الواقع انقسمت مدينة اللاذقية لثلاثة أقسام رئيسية:
1- قسم فقراء السنة: وهو قسم مطوق من الجيش ويمنع دخول وخروج أي شخص منه بدون تفتيش وتدقيق في الهويات الشخصية، هذا الامر دفع كل المشاركين بالتظاهرات لترك هذه الاحياء والاستقرار ضمن مليشيات الجيش الحر في الجبال، فتحولت منازلهم الى مراكز سكن جديدة تأوي اقاربهم الفارين من الدمار الحاصل في مدن الداخل السوري، طبعا هذا الامر عقد الواقع السكاني أكثر وزاد من ازمة الفقر لقاطني هذه الاحياء.
2- قسم المدينة القديمة: وأغلب سكانها من متوسطي الدخل من السنة والمسيحين، ويمكن تسميتهم بالفئة الصامتة لانهم لم يشاركوا بشكل واضح في النزاع المسلح، رغم حدوث بعض التجاوزات بين الفينة والاخرى، ومع ذلك اقام الجيش معسكرا دائما له في مركزين رئيسيين من احياء السنة “ساحة الصليبة، ساحة اوغاريت”، كما اعتمد على الامن واللجان الشعبية في الانتشار في حي الاميركان لحماية “فرع الحزب، والشعبة الاولى له”، وزاد من تعداد عناصر الشرطة في حي السجن، ونشر عناصر من الجيش على باب كل الدوائر الرسمية، مما حول المدينة القديمة لما يشبه السكنة العسكرية.
3- قسم المدينة الجديد: وجلّهم من الطائفة العلوية ويهيمن عليهم اثريائها من اقارب الرئيس، الذين نصبوا انفسهم بمثابة جهاز الامن الشعبي لللاذقية، طبعا احياؤهم مستقرة، مما حول الاستثمار التجاري من قلب المدينة القديمة نحو احياؤهم. في حين تحول فقراء الطائفة العلوية ليكونوا مقاتلين ضمن اللجان الشعبية، وما يسمى جيش الدفاع الوطني.

حرب الفقراء:
من عرضنا السابق نستدل ان أثرياء السنة والعلويين لم يكونوا شديدي التضرر مقابل فقراء الطائفتين، فالنزاع العسكري اليوم في سوريا لا يخوضه ميدانيا الاثرياء بل يمولونه، عبر وقود واضح هو فقراء كلا الطائفتين مع وجود استثناءات بسيطة.
والحدث الهام الذي جرى في الاسبوع الماضي كان هجوم الجيش الحر “السني” على بعض القرى العلوية الفقيرة التي يتمركز بها الجيش واللجان الشعبية، وقتله لعدد كبير من العلويين بالاضافة لأسره عددا آخر منهم بغية المفاوضة لهدف اطلاق سراح المعتقلين المعارضين في سجون الامن. طبعا هذا الحدث استثمره اثرياء العلويين في ضخ خطاب طائفي مفاده “انهم ارهابيون يريدون تصفيتنا، وعلينا ان نبيدهم” وللاسف عناصر الجيش الحر لم تقدم رؤية معاكسة ناضجة.
طبعا هذا الامر خطير ويعطي انطباعا مفاده ان اثرياء العلويين قد يغالوا بالمعارك مضحين بمنازل القرى العلوية الفقيرة في الجبال، مقابل القصاص من منازل السنة الفقراء التي تمتلك موقعا استراتيجيا مغريا للاستثمار السياحي.
بالمحصلة يكون الخاسر الوحيد في جملة المعارك الحالية هم فقراء كلا الطائفتين، فالفقير العلوي لن يجد من يعمر له منزله في الريف الغير مشجع على الاستثمار، والسني الفقير سيتفاجئ بتعويضات بخسة مقدمة من شركات اعادة الاعمار. مما يدفعه للتوطن في القرى العلوية لتكون بديلا عن منازله في مناطق “الرمل الفلسطيني والسكنتوري وبستان السمكة”
بينما الاثرياء يراهنون على تسوية سياسية قريبة تجعلهم يباشرون عمليات غسل اموالهم عبر اشادة شركات اعادة اعمار او مكاتب جلب مستثمرين وهمين يعملون باموالهم التي سرقوها من فقراء سوريا الذين يموتون يوميا في مسعى متناقض سمته الدولة “محاربة الارهاب المدعوم من الامبريالية العالمية” بينما اسمته المعارضة “معركة اسقاط النظام المجرم”.

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s