الدراما السورية هذا العام

10/01/2010

issam6ny.jpgمقابلة الجزيرة نت مع عصام خوري //النص الكامل//
اعداد نغم ناصر

س: ما تقييمك للمواضيع المطروحة وهل تجد فيها جرأة تتوافق مع واقع المجتمع السوري أم أنها ممارسات فردية شاذة كما وصفها البعض ولا يتوجب طرحها في دراما تصل للأطفال وتساهم بانحلال أخلاق المجتمع بحسب رأيهم؟

المراقب للدراما السورية هذا العام يستطيع ملاحظة النقاط التالية:

1- غياب الفانتازيا:
أتصور أن النص الدرامي كغيره من النصوص محكوم بعروض الطلب وثقافة السوق العامة، وليس غريبا تفادي الدراما السورية هذا العام ما كان يتداول في الاعوام الماضية بما يدعى الفانتازيا التاريخية التي التف حولها جمهور عريض، وكانت حينها تحاكي آمل الشعوب العربية الراغبة بوجود شخصية قادرة على توحيد الصف العربي أو القبلي أمام الغزاة الطامعين.
السياسة العربية اليوم بينت غياب امكانية وجود هذا الخط، مما جعل تلك الدراما جزء من ثقافة الوهم… واتصور أن شركات الانتاج تجاهلتها هذا العام، مع انقسام الخط العربي بين ما يدعى محور ممانعة ومحور اعتدال، وانقسام البيت الفلسطيني بين حماس وفتح، وتنامي الخطاب الطائفي بين عديد من الدول العربية “لبنان، العراق، اليمن، مصر” .

2- تكرار تجارب من العام الماضي: ومن ابرزها
1- باب الحارة: رغم وجود الكثيرين من منتقدي النص الدرامي لهذا المسلسل، إلا أن هذا المسلسل حقق اوسع نسبة متابعة عربية، وخاصة العام الماضي، مما جعل شركة الانتاج تطالب الكاتب بالجزء الرابع، وهذا ما ادخل المسلسل في كثير من حلقاته في حالة الرتابة، واتصور أن الكثيرين من متابعيه هذا العام، لن يتابعوا جزؤه الخامس إن طالبت شركة الانتاج بنص جديد.
طبعا السلوك التجاري لشركة الانتاج عبر هذا المسلسل ان اصبح سلوكا عاما، ويصيب غيرها من المسلسلات السورية، فإنه قد يؤدي مستقبلا لتفريغ المحتوى الدرامي من نصه المميز، ويجعل المسلسل السوري كغيره من المسلسلات التركية الغنية بالحلقات والفقيرة بالمحتوى الحواري.

2- انا قلبي دليلي: بعد نجاح تجربة مسلسلات المشاهير “كأم كلثوم، نزار قباني، عبد الحليم حافظ، اسمهان…” توجهت الكثير من شركات الانتاج للبحث عن خيارات اخرى، فكانت شخصية “ليلى مراد” التي امتازت بتنوع الممثلين العرب في اداء الادوار فيها. طبعا هكذا نصوص درامية تمثل جزء من الارشيف الثقافي، ولعل تعددها قد يؤدي اغناء المكتبة العربية وتنوير الشباب العربي بتجارب رائدة في الماضي.

3- بلقيس: وهو أحد المسلسلات التاريخية التي لاقى متابعة جيدة، رغم ملل الشارع العربي من متابعة المسلسلات التاريخية، بالاضافة أنه من افقر المسلسلات العربية انفاقا على الانتاج، فأغلب مشاهده كانت في الاستديوهات. وربما كان هذا الامر نتيجة تفردة كمسلسل تاريخي بين ازدحام النصوص المعالجة للحياة اليومية.

4- الدراما المشتركة: ومن اميزها الدراما التي تناولت قضايا رئيسية في الحياة السياسية لمنطقة الشرق الاوسط، كمسلسل هدوء نسبي وحرب الجواسيس الذين بينا عن حجم انتاجي ضخم جدا، وتأتي هذه التجربة كتكرار لتجارب الانتاج العربي المشترك سواء من حيث الفنيين أو الابطال أو تنوع وحجم العناصر التمثيلية من مختلف الجنسيات. وقد حمل العام الماضي تجربتين من هذا النوع احداها تناولت قضايا المغتربين في الخليج العربي والاخرى تناولت قضايا السلفية الجهادية والقيام بعملات ارهابية. اليوم مسلسل هدوء نسبي تناول هذه القضية بشكل واضح، ضرورة التركيز الاعلامي حول هذا العمل وحجم الانفاق العالي حوله هو امر اكثر من طبيعي، فالحكومة العراقية تنفق الكثير على الاعلام المناهض للتفجيرات الارهابية على اراضيها، وبدون ادنى شك أن هذا المسلسل سيباع لعموم القنوات العراقية بعد انتهاء شهر رمضان الكريم.

3- غياب المسلسلات الفكاهية الناقدة:
ومن ابرزها “بقعة ضوء، مرايا”: وهو بحق امر مستغرب تماما، فقد حققت هذا المسلسلات متابعة عربية عريضة وساهمت حقيقة بالتعريف حتى باللهجات المحلية السورية، ولا اتخيل إن أي شركة انتاج قد ترفض تمويل هكذا نصوص خاصة وانها أكثر من رابحة وفق ميزان البيع التجاري، وهنا قد نخمن أن بعض حلقات هذه المسلسلات ربما تجاوزت الخطوط الحمراء، أو لربما كانت معايير الخطوط الحمراء هذا العام هي معايير مختلفة عن الاعوام السابقة؟
مما جعل النصوص السورية الكوميدية مكتفيه بتجارب متواضعة نسبيا وتنحو المنحى الاجتماعي كتجربة مسلسل صبايا.

4- الدراما الاجتماعية الواقعية:
من ابرز الاعمال هذا العام كان مسلسلات “زمن العار، عن الخوف والعزلة، قاع المدينة، قلوب صغيرة، قلبي معكم…”
التي تناولت جميعها قضايا اجتماعية معاشة في الشارع السوري، طبعا هذه المسلسلات هي استمرار لجملة المسلسلات الاجتماعية التي جاءت في سنوات ماضية، لكن اللافت فيها هذا العام هو تسلط اغلبها الضوء على جملة من الامراض الاجتماعية التي باتت جزء لا يتجزأ من الشارع السوري كقضايا “الطلاق، الملاهي الليلية، التهريب، النفاق الاجتماعي، الفساد الوظيفي العلني، الخمارات، المعاشرة الجنسية للمتزوجين ومن الطرفين” طبعا كانت الدراما السورية تتناول هذه القضايا في الاعوام الماضية، لكن التركيز الاخراجي للمخرج كان محوره النص، وكان المخرج يتجنب الدخول للحانات وتصوير الراقصات، لكن الاخراج هذا العام تحرر من قيوده نسبيا فخرق هذا الجدار المحظور وفق العرف الاجتماعي.
واتخيل شخصيا أن هذا امر شديد الاهمية ويدلل على تقدم الدراما السورية في محاكاة الواقع الداخلي، فعدسة التصوير اليوم بحاجة أن تشبع عين المشاهد بالحدث، ومن المعيب اخراجيا الدلالة على الحدث بدون تصويره. فمهمة المخرج الحقيقية هي تصوير ما يهدف اليه الكاتب، لا أن يكون المخرج رقيبا على الكاتب في تحجيم المادة الدارمية.

الدراما والاطفال:
لقد حدد الامم المتحدة عمر الطفولة ما بين السنة والست عشر عاما، وفي هذه الفترة العمرية يكون نضج الاطفال محكوم بالحياة اليومية التي يعيشها في منزلة وبين اصحابه ومدرسته.
الاشكالية الاجتماعية هنا أن الاهالي ونتيجة عدم وجود ثقافة تأهيلية للاطفال يسعون لاغراق الاطفال بهمومهم الحياتية ومن جملتها مواعيد المسلسلات السورية أو التركية، فبدل أن يهتم الاهالي بتنمية قدرات أطفالهم، يسمحون لهم بمتابعة الدراما على التلفاز، مما جعل غالبية الاطفال يقلدون لكنة ولهجة شخصية “أبو شهاب في مسلسل باب الحارة”، ومنهم من بات يكرر عبارات “شخصيتي جودة واسعد من مسلسل ضيعة ضايعة”.
إن الكثير من الاهالي باتوا يمنعون اطفالهم من متابعة بعض برامج الاطفال، رغبة منهم في استئثار التلفاز لهم فقط، وهذا بحق يدلل على عدم الوعي التام بحقوق الاطفال.
ومن المؤكد أن الدراما الاجتماعية اليوم هي مخصصة لفئات عمرية تتجاوز عمر الطفولة، وهذا بحق ما يجب ان تنحو اليه، ولا ضرر في ان تسبق اية حلقة تلفازية عبارة ان هذه الحلقة قد تناسب فئة عمرية بعينها، كما تفعل القنوات التلفازية المحترمة في التنويه لبعض الافلام التي تحوي مشاهد مرعبة أو عنيفة أو جنسية.

لكن هذا السؤال يجلعنا نتساءل أين هي البرامج التلفازية المعنية بالاطفال وعمر الطفولة في سوريا والعالم العربي، أو ان العربي يريد أن يحمل طفله البندقية أو السكين ليتشبه بشخصيات تدافع عن امن القومي للبلاد!!.

س: هل تعتبر بأن المجتمع السوري بحاجة لمن يعري واقعه وهل تتفق مع الطريقة التي طرح بها هذا المجتمع عبر هذه المسلسلات ؟
إن غياب الحياة السياسية والمدنية في سوريا، جعل الدراما السورية متنفس حقيقي للشارع المحلي، وهذا الامر ينطبق على عموم المجتمعات العربية، مما جعل ممثلي الدراما المحليين بشخصياتهم التمثيلية بين عمل وآخر بمثابة زعامات مدنيين يعشقهم الشارع وينتظر جديدهم، وهذا بحق أمر يجب التدقيق حوله بعناية.
فالجمهور المؤمن بالفنان ياسر العظمة هو اكبر بكثير من الشريحة الملتفة حول شخصيتي المعارضة الابرز “المحامي حسن عبد العظيم، والنائب الاسبق رياض سيف”.
فالشارع يعشق من يصور واقعة بحالته الراهنة، واي تشويه للتصوير أو اضعاف له سيبعد المشاهدين عن الايمان بالعمل، إن عمل الدراما الاجتماعية حاليا يحتاج للتعزيز بدل التقويض، لان أي تقويض له سيؤدي لتراجع السوق الدرامية السورية أمام الاسواق العربية التي بدأت بالدخول جديدا.

ومن تجربة شخصية متواضعة كوني واحد من اوائل السوريين وربما العرب الذين بادروا لاطلاق العديد من المقالات والملفات حول امراض اجتماعية سورية مثل “سفاح القربى، الملاهي الليلية، زواج القربى، المثليين والشذوذ الجنسي، القمار في سوريا، الضجيج وأذان المساجد…”. أجد أن مستوى المتابعة والتعليق حول هذه الملفات فاقت بكثير التعليق حول المواضيع السياسية والاقتصادية المباشرة لسوريا، وهذا يدلل أن الشارع في عطش لمن يتناول هكذا ملفات.
طبعا جزء كبير من التعليقات كان بمثابة استهتار بالمواد ومنها من وصل لحد التهديد إن لم اتوقف عنها، من هنا اتخيل أن الشارع بحاجة أن يتعلم من اشكالاته، ومهمة المثقف سواء كان كاتبا أم مخرجا هو أن يلامس هموم الناس، لا ان يغرس نفسه في الرمال أو يتنعم ببروج الثقافة والفلسفة العالية بعيدا عن شارعه .

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s