الجوع في سوريا

بقلم: عصام خوري

09/08/2008

الأمن الغذائي واحد من أهم المفاهيم التي يتوجب تحقيقها في أي دولة، ووفق أساس هذا المفهوم تنبع عدة معايير إنمائية تبين هوية اقتصاد الدولة وتطلعات كتلها السياسية الأمينة على حاجيات المواطنين وتطلعات الشريحة الأوسع منها.

صورة3.jpg
وكنت عام 2003 قد أدرجت دراسة حول الأمن الغذائي في سوريا مستعرضا فيها مقومات الجمهورية العربية السورية كطاقة إنتاجية وزراعية، رابطا فيها الطاقة الإنتاجية السورية وفق القطاعات الإنتاجية التالية:
نسبة توزع القوى العاملة السورية في القطاعات المختلفة
من مجموع السكان قطاع الزراعة قطاع الصناعة قطاع الخدمات
السنوات 1995 1999 2003 1995 1999 2003 1995 1999 2003 1995 1999 2002
سوريا 29.7 30.7 30.2 30.5 28.3 25.3 31 28.2 28.1 38.5 43.5 46.6
مبينا فيها أن القطاع الزراعي يساهم بنسبة 29.7% من إجمالي الدخل القومي. ويستقطب حوالي 25.3% من اليد العاملة حسب إحصائيات عام 2003.
إلا أن المتغير حتى نهاية 2007، يبين أن الأرقام الإحصائية الرسمية لم تستطع تهذيب لوحة الأرقام سالفة الذكر، مدللة على غياب تنمية مستدامة انتهجتها حكومة السيد ناجي عطري، رغم أن غالبية سياسي حكومة عطري وخاصة الاقتصاديين منهم، دللوا وفي أكثر من واقعة على تنامي الاستثمار وتنوعه، وقدرة هذه الاستثمارات على تخفيض البطالة بين فئات الشباب.
طبعا غالبية المشاريع الاستثمارية المعلنة أكانت في القطاع السياحي أم في الصناعي، تخولنا استدراك أن القطاع الزراعي في سوريا سيخسر عامليه، مما سيزايد من مفهوم هجرة الريف للمدينة.
إلا أن اللافت في العينات العشوائية التي اختارها مركز التنمية البيئية والاجتماعية في ريف مدينة اللاذقية لعام 2007 والتي شملت القرى التالية: “بلدة كنسبا، البهلولية، الشلفاطية، كرسانا” هو تزايد أعداد الأسر العائدة إليها من مدينة اللاذقية بنسبة تتفاوت ما بين “5%-9%” والغريب أن غالبية هذه الأسر عادت لتعمل في القطاع الزراعي.
وهذا الاستطلاع إن دل أمر. فإنه يدلل على تناقص فرص العمل في المدن السورية، مما دفع عديد من العوائل الغير قادرة على تحمل نفقات الإقامة في المدن أن تعود إلى أريافها مستغلة فرص تخفيض نفقات الحياة ومتطلباتها.
السيد علي (…) يخبرنا وبكل صراحة “وهو أحد العائدين للريف”: الريف مخدم في قرانا ورغم أن الحياة في الريف أقل تكلفة من المدن من حيث وسائل الترفيه التي باتت جزأ من الثقافة العامة في المدينة مثل “سيارات الأجرة، تنوع البضائع” إلا أن تكاليف الحياة اليومية من حيث احتياجات المنزل الرئيسية متشابهة، وهذا امر حقيقة لم يكن بحسباننا…
السيدة ميادة “مدرسة”: تكاليف الحياة في ريفنا متقاربة مع المدينة جدا، والهجرة العكسية الواضحة جاءت لهدف توفير مواد موجودة بالطبيعة دون تكلفة مثل الحشائش “الهندبة، الجرجير…” بالإضافة للحمضيات والتي تشكل عامل مهم في توفير مادة الغذاء.

الرأيين سالفي الذكر يبينان حقيقة التماس المواطنين فرص توفير أكبر قدر ممكن من المادة الغذائية، وهذا يبدو شديد الوضوح مع تذمر هذه الأسر خلال موسم الصقيع الذي الم بالساحل السوري مدة تجاوزت الشهر خلال هذا الشتاء، مؤدية للقضاء على هذه الحشائش…
مما دفع عديد من هذه العوائل لتشغيل أولادها في أراضي الغير لقاء أجور مادية، وفي بعض الحالات سجلت حالات تسرب من التعليم.
طبعا الثروة الزراعية السورية قادرة على استيعاب تعداد السكان الذي قارب 19مليون نسمة هذا العام، هذا أن قررت الحكومة ذلك، خاصة وأن متوسط دخل الفرد لا يتجاوز 135$ حسب مركز التنمية البيئية والاجتماعية//2006// .
إلا أن غياب استقرار الأسواق المحلية، وتزايد أسعار الإيجارات والعقارات //بنسب 100% كمتوسط عام// والمواد الغذائية //بنسب تتجاوز 43% كمتوسط عام//، وغياب الرقابة التموينية في كثير من الأيام، بالإضافة للتأخر الدوري للمواد التموينية المدعومة حكوميا، أدت جميعها لتدهور في الحالة المادية للفرد، مما سبب ركودا في غالبية المهن.
في حين لم يتغافل الإعلام الرسمي يوميا عن إدراج أخبار عن شركات مستثمرة في سوريا، وكأن المواطن غافل عن واقع الاستثمار في بلدة.

الخطر الأكبر على الأمن الغذائي:
يعتمد المواطنون السوريين بشكل شبه مطلق على مادة الخبز كركيزة أساسية في غذائهم، ورغم عدم زيادة أسعار الخبز في الأفران الحكومية، إلا أن قيمة مادة الطحين تزايدت وهذا يسجل من خلال سعر مبيع كيلو العجين الذي شهد ارتفاعا نهاية عام 2007 ومقداره عشر ليرات سورية ليغدو 35ليرة سورية، ورغم هذه الزيادة عاد سعر الطحين للارتفاع ليغدو سعر كيلو العجين 45ليرة سورية حاليا، والغريب في هذه الزيادة أن مادة القمح في سوريا قادرة على تلبية الحاجة المحلية، وفي كثير من الأعوام تقوم الحكومة السورية على تصدير الفائض، وقد صرحت الحكومة في أكثر من مرة في الجرائد الرسمية هذا العام عن تخزينها لما يتجاوز مليوني طن قمح في مخازنها.
زيادة سعر الطحين والعجين تنذر باقتراب ارتفاع أسعار الخبز، الذي شهد مع بداية عام 2007 زيادة في السعر لتغدو ربطة الخبز 9أرغفة مماثلة لسعر سابقتها 10 أرغفة، بغياب تسليط إعلامي حول هذا الحدث.
ورغم الإشاعات المتوالية حول زيادة رواتب مرتقبة، ووجوب أن تخدم هذه الزيادة كل فئات المجتمع، تتمهل الحكومة في استصدار أي تعليق واضح المعالم، يبين إمكانيات الخزينة على تحمل أعباء زيادة الرواتب المقبلة هذا إن كان هناك زيادة.
ويعد نذير شؤم الأسعار وارتفاعها أمرا متواضعا أمام واقع ارتفاع أسعار الرز عالميا ومحليا. فمؤسسات الدولة التموينية توقفت عن بيع الأرز بالأسعار المدعمة، ليغدو سعر كيلو الرز 60 ليرة في المفرق، و55ليرة في الجملة “كيس 25كيلو”، بعد أن كان الكيلو الواحد يباع في المؤسسات التموينية ب13ليرة سورية، وعشرين ليرة سورية بالأسواق الحرة، وتعد هذه الزيادة مؤشر كبير يبين عجز الحكومة عن امتصاص أزمة بسيطة لسلعة أساسية.
ومن هذين المؤشرين نستدرك أمرا بالغ الخطورة، وهو التخوف الحقيقي من استمرار حالة التعاطي الغير مبالية في واقع المواطنين البسطاء، مما يمهد لانهيار في واقع الأمن الغذائي، ليغدو واقع الجوع واقع ملموسا في الأشهر قادمة.

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s