التعصب أم الخوف!!…

بقلم: عصام خوري

16/01/2010

religious_extremism__amr_okashaظنت الولايات المتحدة عبر دعمها للجماعات السلفية أنها قادرة على كبح جماحها متى أرادت، إما عبر قطع الإمدادات عنها أو عبر اعتمادها على سياسات الحرب الاستباقية، لكن الواقع بين أن عقيدة الفكر الجهادي تتكيف مع مختلف الحالات، وكل وسائل الضغط تبقى اضعف من العقيدة، مما يؤكد مقولة أن الدين افيون الشعوب.
الحكومة السورية بدورها اعترفت بتنامي المد الديني المتعصب على اراضيها ولعل تصريح المستشارة الإعلامية د. بثينة شعبان الشهر الماضي في إحدى الاجتماعات الحزبية اكبر مؤشر على ذلك “نحن أمام تحد كبير… هناك مد ديني متعصب في البلد..حين يوجد الفراغ السياسي فلا بد للآخرين أن يملؤوا هذا الفراغ…”.
وكأن المستشارة تحاول في هذا التصريح إبراز توجه مستقبلي كبير للحكومة بضرورة تشجيع الدور الحزبي العلماني أمام المد الديني السلفي الذي بات ينهش في الجسم السوري السياسي والاجتماعي. لكن كيف يتم هذا الامر، وما هي الاليات والاستراتيجيات التي يجب على الحكومة أن تنتهجها؟

إن عملية مكافحة الإرهاب والمد الديني هي أمر يؤرق جميع الحكومات في العالم العربي والإسلامي، ولعل الحكومة السورية من أكثر الحكومات العربية التي بادرت لطرح قضايا رئيسية في محاربة المد الديني المتطرف وخاصة العام الماضي، مثل:
– مراقبة مجالس إدارات المدارس الدينية وإعادة تعين مجالس بديلة عنها.
– اعتقال دعاة جهاديين “الكوكي”.
– اضعاف حجم بعض الدعاة الدينيين “محمد حبش، اغلاق قناة الشام التي تحمل بعض من هذه البرامج”
– تدعيم قرارات لمفتي الجمهورية المنفتح نسبيا عن غيره من رجالات الدين.
– اضعاف مدارس دينية “الخزنوية”.
– مراقبة خطب الجوامع.

لكنها ورغم ذلك فشلت في كبح جماح هذه الحركات ولعل تصريح المستشارة السابق اكبر مؤشر على ذلك. وهذا يدلل على أن الإستراتيجية السورية الإدارية ليست بالإستراتيجية الناجعة في هذا المجال.
التيارات العلمانية في سوريا تعزي سبب الفشل لترافق موجة قمع هذه التيارات بجملة أكبر منها وأعم منها للتيارات العلمانية السورية “مؤسسات المجتمع المدني، النشطاء السياسيين العلمانيين، حجب المواقع السياسية والاجتماعية العلمانية” مما بين مؤشرا عاما وهو أن الجهات الادارية لا تحارب التيارات المتعصبة وحدها، إنما تحارب أي حركات أو أفكار لشخصيات تتبنى أي تغير لا تريده هذه الجهات الادارية، وفق اسلوبها.

الاستفادة من التيار العلماني السوري:
يمتاز التيار العلماني السوري رغم قلة عدده، بثقافة نقدية دينية عالية، وخاصة ابناء المدارس الحزبية الممنوعة في سوريا “عمل شيوعي، شيوعي، جبهة شعبية، قومي سوري…” ورغم قلة عددهم نسبيا إلا أن كارزما التأثير لديهم لا تقل شأن عن كارزما بعض الشخصيات الدينية السلفية.
ولعل ثقافة القمع التي تعرضوا لها، زادت من اعتزالهم وقراءتهم لبعض الدراسات الدينية، فكونوا مرجعية نقدية دينية مميزة فعلا، إلا ان ثقافة القمع المستمرة لهم، حجمت بالفعل من نشاطهم، وجعلت عدوهم الاول هو السلطة الادارية، بدل أن يكونوا عونا لها في محاربة المد الديني المتطرف.
وعلى العكس فالعديد من العلمانيين باتوا يظنوا أن الجهات الادارية تقتصد تديّن المجتمع رغبة منها في اغلاق المجتمع السوري الحي على نفسه.
لذا يجد العلمانيين المقموعين “معتقلين سابقين، معتقلين حاليين، ممنوعين من السفر” أن ممارسة الحرب الاستباقية الاميركية على الارهاب، هي ذات الإستراتيجية التي تمارسها الجهات الادارية السورية منذ عقود بحقهم هم أولا، لانهم شخصيات معروفة ونشاطهم علني، وليسوا كالسلفيين مختبئين ضمن عصابات تستهلك الدين ودور العبادة للتخطيط لمشاريعها بدون رقابة الاجهزة الادارية عليهم.

المدارس المتصوفة:
لطالما امتازت سوريا باحتضانها للعديد من المدارس الدينية التي تشجع التصوف، مثل “الخزنوية، القادرية، الرفاعية…” وذلك في مسعى من الحكومة لتحويل التيار الديني المتعصب “الاخوان المسلمين” لتيار ديني منعزل ومتصوف، فبتالي يكون هناك خيار ديني جامع للمسلمين، ويغذي عندهم الاعتزال بدل الجهاد.
لكن هذه المدارس وبعد تضخم انشطتها باتت تستوعب كما كبيرا من المريدين، وأصبحت عملية ضبطهم ومراقبتهم امنيا ضربا من المستحيل، خاصة وأن امكانية تجمعهم ولقاؤهم خارج الفترات الدراسية مع شخصيات متدينة متعصبة هو امر وارد ومن الصعب الرقابة عليه، مما ادى لبعض الخروقات الامنية التي اثرت على الامن الداخلي مثل العمليات التي نفذتها جماعات مثل فتح الاسلام العام الماضي “استهداف فرع الدوريات”.
من هنا يتبين لنا ايضا أن الجهات الادارية برغم قوتها وتنوع مكاتبها واساليبها هي بالفعل عاجزة عن تحقيق مشروع رقابي عالي الاداء على الشخصيات المتدينة والقابلة للدخول في المعترك الجهادي.

المرور عبر سوريا:
إن المجتمع السوري بالفعل متنامي في تدينة كعموم المنطقة الاسلامية والعربية، إلا أن وجود سوريا في معترك مناطق حامية مع اعداء واضحين “الولايات المتحدة، اسرائيل” جعل للمتدينين موقع جهادي وهدف واضح المعالم هو المرور عبر سوريا إلى الجبهات الجهادية “العراق، جنوب لبنان”. لذا فإن نشاطهم الجهادي ضد النظام السوري هو أمر يحمل اولوية ثانوية، خاصة وأن الخطاب الرسمي السوري يحمل خطا جهاديا عروبيا ضد كل محتل لاي ارض عربية.
لكن السؤال الهام ماذا لو أنتصر الجهاديين على مشاريع الحرب الاستباقية، وفي هذا الامر نجد ثلاثة أمثلة واضحة:
1- تحكم طالبان في مناطق الجنوب الافغاني، حيث تستطيع طالبان اليوم توفير موارد مادية لمقاتليها أعلى من رواتب الجيش الافغاني بقيادة كرزاي، واشراف قوات التحالف.
2- نفاذ طالبان باكستان في اضعاف هيبة الدولة الباكستانية بكل جبروت جيشها والمساعدات العسكرية الاميركية لها.
3- قدرة الحركات الجهادية الاسلامية على اختلافها في العراق على تنفيذ عمليات نوعية في أي منطقة تتواجد فيها القوات الاميركية او المليشيات الداعمة للاحزاب الحكومية.
إن امكانية انتصار الحركات السلفية على مشاريع الحرب الاستباقية هي امر وارد جدا، خاصة في ظل عودة الحرب الباردة بين الروس والولايات المتحدة بشكل غير علني، ومن غير المستبعد وجود أوجه صفراء “الصين” داعمة للروس في هذه الحرب. لذا على الحكومات العربية والاسلامية الحذر على مصالحها الوطنية، لأن الهدف التالي للجماعات الجهادية السلفية هو بدون ادنى شك سيكون الحكومات العربية الكافرة وفق الفكر السلفي الجهادي.
لذا على هذه الحكومات اعتماد استراتيجيات دفاع وطني ضد السلفية الجهادية وهذا يحتاج إلى مراكز دراسات متخصصة، وتعاون حي بين السلطات والمفكرين والاكادميين العلمانيين أو التنويريين، بالاضافة لقرار واضح حول ضرورة عدم المهاونة في تنفيذ هذه الاستراتيجية، ومن هنا نقترح الخطوات التالية:

1- اعداد مراكز دراسات:
وتكون معنية برصد الحالة السلفية وتناميها في المحيط العربي والاسلامي ودول حوض المتوسط، وعلى هذه المراكز اعتماد الارشفة التالية:
1- أرشفة النصوص الدينية التي تبني عليها الجماعات السلفية افكارها.
2- محاولة رصد كل الحركات السلفية الجهادية في أي دولة، ورصد تحولاتها.
3- رصد لاهم الشخصيات المؤثرة الدعوية في كل دولة، وأثر خطابها في دول الجوار.
4- رصد الحركات والمدارس الدينية العاملة على مجال اقليمي.
5- مراقبة الدساتير المحلية ومدى تأثرها بالدعم الدعوي الجهادي.
6- رصد سلبيات الجماعات السلفية الشعبية المعروفة “سرقات، اتجار بالمخدرات، تفجيرات مدنية….”

2- اعداد مراكز دعم للعلمانيين:
ولا يقصد بالعلمانين “الكفرة كما يصنفهم البعض” إنما المقصود بهم الشخصيات الغير متطرفة، وهنا يجب ايجاد مراكز تدريبية عالية الاداء لتهيئة شخصيات قادرة على الرد على الشخصيات المتدينة السلفية الجهادية، ويجب على هذه الشخصيات التدرب على المجالات التالية:
1- الخطاب الديني الدعوي.
2- اسلوب صياغة الخطبة، والقدرة على الخطابة.
3- التحدث باللغة العربية الفصحاء “لغة القرآن الكريم”
4- الاستفادة من خلاصات الدراسات التي تبنيها مراكز الدراسات سالفة الذكر.
3- الجانب المالي:
1- ايجاد جهة رقابية حكومية وأخرى مدنية تشرف على واردات الجوامع والمشاريع المنفذة والمقترحة.
2- ربط ميزانية وزارة الاوقاف بميزانية كل دولة، واعطاء أولوية الانفاق على وزارات التربية والتعليم.
3- فرض واجب مالي على كل متبرع بإشادة جامع، التبرع بقيمة مماثلة لإشادة مدرسة.
4- ربط الكشوفات البنكية المحولة لأي مدرسة دينية بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، على أن يحول الفائض منها نحو موازنة الدولة.

4- تنظيم المدن:
– يجب على كل مدينة اعداد مخطط تنظيمي شامل، بحيث لا يتواجد مسجدين يخدمان منطقة محدودة، أي ربط اشادة أي مسجد بعدد الفئات المدنية المستفيدة منه، وهذا يرتبط بالكثافة السكانية في أي حي، وطبيعة الفئات الدينية القاطنة له.
– يجب ربط أي مسجد بتوفير ساحات خضراء خارجه لتكون بمثابة استراحة طبيعية توفر بيئة هوائية نقية للحي.

5- الدساتير المحلية:
على الحكومات العربية مراجعة دساتيرها، وخاصة المواد التي تؤدي للتطرف، وتلغي الآخر، مثل:
– حقوق المرأة
– حقوق الطفل.
– حق الحياة.
– حقوق الاقليات.
– الحريات الشخصية والحريات العامة.
بالاضافة لسعيها التدريجي على تعديل بعض المواد التي يشرك فيها التشريع الاسلامي بالحياة الاجتماعية، ويؤدي على المدى الطويل إلى تطرف إجتماعي، وخلل عام في نسيج المجتمع وهويته.

6- الضجيج والجوامع:
– يجب الاستعاضة عن أذان الجوامع بوسائل تنبيهية اخرى، مثل إذاعات دينية على الموجه القصيرة تنبه لهذا الامر.
– اعداد حملة توعية عامة للمواطنين بضرورة استخدام منبه هاتفهم الخليوي للاعلام عن موعد الصلوات.
– أو الاشتراك بخدمات هاتفية كرسائل خليوية أو رسائل هاتفية تعلم المؤمن بموعد الصلاة.

7- مقاومة مشاريع الجهاد الالكتروني:
على الدول العربية والاسلامية فك الحصار والحجب الدائم عن المواقع الدعوية السلفية، لأن حجبها يزيد من شعبيتها، ويفضل في هذه الحالة الاستعانة بخبرات المنظمات المدنية العلمانية والنشطاء العلمانيين في ابراز مواهبهم عبر اطلاق مواقع الكترونية تناهض الهجمة السلفية الجهادية على المنطقة العربية والاسلامية.
ويمكن الاستفادة الفعلية من نتاجات مراكز الدراسات التي ترصد الحالة السلفية، وقد يوظف في هذه المراكز صحفيين متلقين التدريبات في مراكز التدريبات سالفة الذكر.
8- حرية الصحافة والاعلام:
يتوجب على الحكومات فسح المجال والحصانة لكتابها وصحفييها العلمانيين بالظهور على الشاشات المتلفزة والفضائيات، وتخصيص برامج حوارية مخصصة لاضعاف التيار السلفي الجهادي وكشف عوراته.
كما يتوجب على الجهات الادارية اطلاق الحرية لاراء الصحافيين في الدوريات المطبوعة والمجلات الخاصة.

ملاحظة عامة:
يرجى اعتماد كل التوجهات التالية بشكل عام على عموم الأديان، لتبرز كحالة غير عدائية تجاه دين معين “المسيحية والإسلامية والأيزيدية، والموسوية، والشيعية بانواعها” وقد جاء تسليط الضوء على الجوامع وحدها في هذه المادة كونها الاكثر في المحيط العربي والإسلامي.

 

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s