ابعاد موازنة المحكمة الدولية

بقلم: عصام خوري

07/09/2010

hariri-assasination.jpgالمحكمة الخاصة بلبنان أنشأت بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 2007، وهي المحكمة الدولية الأولى المكلفة بالنظر في جريمة إرهابية، وهو الوصف الذي أطلقه مجلس الأمن الدولي على جريمة اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005، في عملية تفجير في بيروت أودت أيضا بحياة 22 شخصا آخرين.
وكلفت المحكمة أيضا بالنظر في عمليات التفجير والاغتيالات التي وقعت في لبنان بين 2005 و2007، إذا ثبت ارتباطها باغتيال الحريري، وبدأت المحكمة عملها في آذار (مارس) 2009، وتتخذ من لاهاي مقرا لها.
وقبل إنشاء المحكمة شكلت لجنة تحقيق دولية مستقلة في جريمة اغتيال الحريري، توالى على رئاستها ثلاثة قضاة هم الألماني ديتليف ميليس، البلجيكي سيرج براميرتس، والكندي دانيال بلمار الذي يشغل اليوم منصب مدعي عام المحكمة.
وأصدرت لجنة التحقيق أحد عشر تقريرا عن عملها، وأثار التقريران الأولان ضجة كبرى، إذ أشارا بشكل واضح إلى تورط مسئولين سوريين ولبنانيين في الجريمة، لكن التقارير التي جاءت بعد ذلك تعتمد “التكتم التام” عنوانا للتحقيق، رغم جملة التسريبات التي تداولها الاعلام .

مآخذ فريق 8آذار على تقرير كاسيزي الاخير:
أعلن القاضي أنطونيو كاسيزي رئيس المحكمة الدولية أن ميزانية السنة الأولى من عمل المحكمة بلغت 51.4 مليون دولار سددت كاملة، بينما حصلت المحكمة حتى الآن على التزامات بدفع 90 في المئة من موازنة العام 2010 البالغة 55.4 مليون دولار، يتكفل لبنان بـ 49 في المئة من موازنة المحكمة الدولية، بينما تأتي الأموال الباقية من تبرعات دول عدة أبرزها الولايات المتحدة ودول في الاتحاد الأوروبي.
إن نسبة الدفع من الطرف اللبناني المنهك اساسا بالدين تحتم عليه النظر بجدية حول سبب تأخر المحكمة في اصدار حكمها، فالمدة الزمنية الطويلة ستحمّل الاقتصاد اللبناني أعباء إضافية يصعب عليه ردمها، لذا يؤخذ على المحكمة من الاطراف الموالية للنظام السوري “8 آذار” النقاط التالية، تعقيبا على تقرير القاضي كاسيزي الاخير، وذلك عبر تصريحاتهم في الشاشات الفضائية اللبنانية:
(1) تبرير التأخير:
يرى كاسيزي أن تأخّر عقد جلسات المحاكمة عن موعد انطلاق عمل المحكمة أمر مألوف، ويحدث في المحاكم الدولية الأخرى، غير أنه لم يتنبّه على ما يبدو إلى أن التأخير الحاصل في المحكمة التي يترأسها ليس بين موعد انطلاقها وموعد جلسات المحاكمة، بل بين موعد انطلاقها وموعد صدور مضبطة الاتهام. وقد يكون مفيداً في هذا الإطار مراجعة موعد تعيين المدعي العام لمحكمة يوغوسلافيا السابقة، وموعد صدور أول مضبطة اتهام عنها، الذي لم يستغرق أكثر من أشهر قليلة بينما يبقى بلمار عاجزاً بعد مرور أكثر من عام على انطلاق المحكمة عن اصدار هذه المضبطة.

(2) تهديد الشفافية:
يقول كاسيزي: «ترعى أحكام وضع الشهود الذين لم يتم الكشف عن هويتهم، والذين قد يكون حضورهم في محاكمات تتعلق بقضايا إرهابية حاسماً (إما لأنهم أشخاص يخشون على حياتهم، أو لأنهم ممن يعملون في المخابرات وليسوا مستعدين للكشف عن هوياتهم، أو لأنه لم يسمح لهم بذلك». ويذكّر بالمادة 93 من القواعد التي تنصّ على «إجراء يدلي بموجبه الشاهد، الذي لم تكشف هويته، بشهادته في غرفة المذاكرة أمام قاضي الإجراءات التمهيدية، بحيث يكون القاضي هو وحده من يعرف هويته»، والقاعدة 159 التي تجيز “لغرفة الدرجة الأولى القبول بإفادة أدلى بها شاهد لم تكشف هويته”.
أما بخصوص المعلومات السرّية التي قد تأخذ بها المحكمة، فيقول كاسيزي «قد تتطلب الإجراءات الجزائية المتعلقة بالإرهاب حماية بعض المعلومات التي تقدّم إلى الفريقين بصفة سرية» (32).
ويتناول القاضي الإيطالي المعلومات التي في حوزة أحد الفريقين، والتي قد يؤدي الإبلاغ عنها إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية، بحيث «يجوز للمدّعي العام، في هذه الحالات، التقدم بطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة، فيقيم هذا الأخير إجراءات ليحدد إمكانية إعفاء المدعي العام كلياً أو جزئياً من موجب الإبلاغ عن المعلومات» (33).
ويبدو أن المحكمة ستعتمد كذلك أسلوباً شكلياً للتغطية على تهديد قواعدها للشفافية عبر تعيين «مستشار خاص»، إذ تنصّ الفقرة 34 من التقرير على أنه «يمكن لرئيس المحكمة أن يعيّن مستشاراً خاصاً (من ضمن لائحة سرية بأشخاص وافق عليها مقدم المعلومات السرية)، ليقوم بمراجعة المعلومات» (34).
ونتوقّف عند الفقرة 35 التي تشير أيضاً إلى تغطية محتملة للمواد السرّية، إذ تنصّ على أنه «يحيل قاضي الإجراءات التمهيدية تقريراً مفصلاً بالإجراء (لكن بدون وصف المواد السرية بحد ذاتها) إلى غرفة الدرجة الأولى، التي ينبغي أن تقتنع بأن لا مساس بحقوق المتهم». لكن كيف يمكن أن «يقتنع» قضاة غرفة الدرجة الأولى «بأن لا مساس بحقوق المتهم» من دون أن تطّلع على تفاصيل «المواد السرية»؟

(3) زيادة الكلفة وتراجع المساهمات:
إن قيمة المساهمات للسنة الثانية لم تزد عن السنة الأولى، بل تراجعت إلى نصف قيمتها بالنسبة إلى ألمانيا مثلاً، التي كانت قد أسهمت بمليوني دولار لـ2009 وستسهم بمليون دولار لـ2010. أما إيطاليا، فتراجعت مساهمتها من مليون دولار إلى 721 ألف دولار. حتى فرنسا التي كانت من أكثر المتحمّسين للمحكمة أيام ولاية جاك شيراك، ففد تراجعت مساهمتها قليلاً من مليونين و186 ألف دولار إلى مليونين و149 ألف دولار.
ويسعى رئيس قلم المحكمة، بحسب كاسيزي، إلى الحصول على مساهمات الدول لتمويل العمليات الأساسية للمحكمة، بينما يغطي لبنان نسبة 49٪ من كلفة المحكمة «ساهمت حتى الآن 25 دولة في ميزانية المحكمة» (154). لكنّ الأغلبية الساحقة لتلك الدول لم تسهم في السنة الثانية للمحكمة (2010)، ودولة واحدة فقط (تركيا) أسهمت للعام الثالث (2011) بمبلغ بسيط يبلغ 50 ألف دولار.
أما لبنان، فنصّ مشروع الموازنة لعام 2009 على مساهمته بقيمة نحو 72 مليون دولار أميركي (108 مليارات ليرة لبنانية) للعامين الأوّلين لعمل المحكمة. لكن رغم ذلك، لا يكشف تقرير كاسيزي للبنانيين عن كيفية صرف أموالهم، بل يقتصر التدقيق على «تعيين مكتب التدقيق الوطني في المملكة المتحدة كمدّقق خارجي لحسابات المحكمة» (156)، ولا يذكر تاريخ صدور تقريره وإذا كان ذلك التقرير علنياً أو سريّاً.
ويبدو أن كاسيزي قرّر إغفال حقّ اللبنانيين في مساءلة المحكمة عن كلفتها، رغم إقراره بأن تقريره «يهدف إلى مناقشة بعض المشاكل والتحديات العامة التي تواجهها المحكمة، وإلى البحث في الانعكاسات المترتبة عن تأسيسها، وذلك لضمان الشفافية والمساءلة إزاء الأمم المتحدة وحكومة لبنان والمجتمع المدني اللبناني والدول الأعضاء والمجتمع العالمي بشكل عام» (1).
(4) السيادة الانتقائية:
ظهرت ازدواجية المعايير في احترام سيادة الدول على حساب لبنان بوضوح في تقرير الرئيس كاسيزي، إذ إن جميع الدول «تقدم المساعدة إلى المحكمة فقط إن اتفق الطرفان على ذلك (53) ما عدا لبنان الذي يفرض عليه مجلس الأمن ذلك. وإذا لم يمتثل لبنان لأي طلب أو أمر من المحكمة «أولاً، يتشاور الرئيس مع السلطات اللبنانية المعنية بهدف الحصول على التعاون. ثانياً، أي في حال استمر رفض التعاون، يعدّ قاضي الإجراءات التمهيدية أو غرفة الدرجة الأولى محضراً قضائياً بعدم التعاون. وثالثاً، يحيل الرئيس هذا المحضر القضائي إلى مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات المناسبة» (50)، ولا ينطبق ذلك الإجراء على أي دولة أخرى.
ويعتمد كاسيزي أسلوباً يراعي سيادة الدول عبر قوله «في حال وجود إجراءات تشريعية وطنية تجعل من الصعب على الدول المصادقة على مسوّدة الاتفاق وتنفيذها، سيتم السعي إلى حثّ الدول على اعتبار مسوّدة الاتفاق بمثابة إطار قانونيٍّ عام يمكن الاستناد إليه بشكل غير رسمي وحسب الاقتضاء بهدف المحافظة على علاقات عمل مع المحكمة بحسب الحالة» (126)، بينما لم يكن ذلك مطروحاً بالنسبة إلى لبنان.

الموازنة اللبنانية هل ستقر أم!!…
مؤشر تعثر إقرار الموازنة بدأت تباشيره تلوح في الافق وكانت ذروته مع إعلان رئيس المجلس النيابي نبيه بري عن إصراره على معرفة اين أنففت حكومات الرئيس فؤاد السنيورة مبلغا قال الرئيس بري إنه 11 مليار دولار في حين اعتبر الوزير بطرس حرب ان الامر أشكل على الرئيس بري والمبلغ هو 11 مليار ليرة لبنانية.
ان الرئيس بري أصاب اكثر من عصفور بحجر واحد فهو اولا يريد الحفاظ على مجلس الجنوب وميزانته التي قيل عنها في لبنان انها “تخضع لاعتبارات حركة امل في الصرف”. وهو تاليا يريد الاخذ بالثأر من الرئيس السنيورة الذي رفض سابقا إقرار موازنة منفصلة لمجلس الجنوب غير خاضعة للهيئات الرقابية في الدولة.
طبعا بري يسانده في هذا الامر مجمل قوى 8آذار، الذين يرون في السياسة الاقتصادية لاسرة الحريري مبررا كبيرا لاستنزاف طاقة البلاد في مشاريع لم يكن الاقتصاد اللبناني بحاجة لها، ومن ابرزها نفقات المحكمة الدولية، فاسرة الحريري بامكانياتها المالية الهائلة هي اغنى من الدولة اللبنانية برمتها، فلماذا يثقل على الاقتصاد اللبناني بينما تستطيع هذه الاسرة سد نفقات هذه المحكمة بكل سهولة. طبعا قوى 8آذار لا تصرح بهذا الامر علانية وبشكل مباشر، لكن عالم الصالونات السياسية في لبنان يتحدث بهذا الامر دائما.
وحقيقة يبدو فريق 14 آذار في وضع ضعيف نسبيا، اما انتقادات فريق 8 آذار، فتيار المستقبل يبدو وحيدا في مواجهة آراء خصومه رغم مؤازرة حزبي القوات اللبنانية والكتائب له. فإقرار الموازنة العامة للدولة يحتاج تصويت عدد يفوق نواب كتلة تيار المستقبل وكل نواب 14 آذار، خاصة وأن نواب الحزب الاشتراكي التابع لوليد بك جنبلاط باتوا سوريين الهوى، ونواب التيار الوطني الحر يطالبون عبر زعيمهم الجنرال عون بضرورة مراجعة كل بند من الموازنة حتى تخلو من ايه اخطاء، وان اقتدى هذا الامر تأخير اقرار الموازنة لامد غير مسمى.

مما يجعل امكانية اقرار الموازنة امكانية مناطه بتوازنات سياسية معقدة، وتسويات سرية تحكمها المصالح الخاصة لكل طرف.

ابعاد المحكمة الدولية:
تتخوف بعض اطراف قوى 8آذار من ابعاد تسييس المحكمة الدولية، وبخاصة بعد تسريبات صحيفة “دير شبيغل” الالمانية عن امكانية تورط حزب الله بهذه العملية، وترى هذه الاطراف أن الهدف البعيد لهذه التسريبات هو التضيق الاكبر على حزب الله من اجل تجريده من سلاحه. لكن الحزب وعبر امينة العام صرح علانية عن استحالت تجريد الحزب من سلاحه، واستمرار الحزب في نهجه الكفاحي ضد اسرائيل.
لكن الحزب لديه ملاحظاته الكافية على المحكمة رعم تعاونه معها، وابرز ملاحظاته تكمن في كيفية تسرب بعض التحقيقات للصحف الاوروبية والاميركية، رغم اعتماد معايير التكتم التام بشأن تحقيقاتها، وبهذه الملاحظات يبين الحزب اعترافه بالمحكمة رغم غياب قناعته بها.
النظام السوري ايضا لديه مآخذه على اداء عمل المحكمة، فهي لم تحافظ على الشاهد الملك “زهير الصديق” والذي استطاع الفرار من فرنسا نحو الامارات العربية، ومنها نحو أوروبا، بعد اكتشاف المحكمة عدم مصداقية اقواله. وهذا يجعل عند النظام السوري شكا كبيرا في كفاءة عمل هذه المحكمة وان لم تصرح بذلك علانية. اصدقاء سوريا في لبنان وحلفاء حزب الله يرون في وجهة النظر السورية وجهة نظر منطقية، فهم يعبئون الشارع اللبناني ضد سياسة المحكمة، وأي شخصية من فريق 14 آذار تحتاج التودد لفريق 8 آذار يكفيها شجب تعليقات الصحف الاوروبية كما فعل سابقا الزعيم الدرزي وليد بك جنبلاط.

العلاقة بين المحكمة واقرار الموازنة:
إن مجمل العرض سالف الذكر يبن لنا حقيقة واضحة مفادها أن التوازنات السياسية والتحالفات السياسية في لبنان هي التي تحكم اقرار الموازنة العامة، وهذا البلد الصغير معقد جدا بجملة توازناته وارتباطات اطرافه مع الاطراف الدولية والاقليمية، لذا فإن اقرار هذه الموازنة لن يتم إلا عبر تسوية سياسية تضمن لكل القوى فرصا طيبة في تحقيق منافع للوزارت التابعة لها أولا، وثانيا وليس اخيرا على القوى المتصارعة من فريقي 14-8 آذار أن تصل إلى قنوات تواصل تحكم خصوصية الملفين الابرز في الدولة:
1- سلاح المقاومة.
2- الموازنات الاقتصادية النزيهة.
اليوم حزب الله مهتم بالملف الاول، ويدعو عبر شركائه الى اقرار استراتيجية دفاعية موحده، ويكفيه حقيقة تجاهل سلاحه كي يتنازل عن حقوقه في الملف الثاني. أما باقي اطراف 8 آذار وخاصة المسيحيين منهم فهم يدعمون مشروع الاستراتيجية من مبدأ ضرورة دعم الحزب لهم في الملف الاقتصادي, أما تيار المستقبل وشركائه فهم مهتمون حقيقة بالملف الاقتصادي بصورة رئيسية لكن شركائهم الغربيون يحتمون عليهم النظر بعين ثاقبة لملف المقاومة وسلاح التنظيمات الفلسيطينية.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s