خارجية سوريا الأسد فقدت أنيابها‏

بقلم: عصام خوري

10/6/2004

الرغبة البشرية النهمة للقوة والهيمنة تدفعنا في كثير من اللحظات للفخر بجبروت وساسة حكام بلادنا، ‏سواء أكنا معارضة أم موالاه. فحكومة الأسد الأب وعبر تقارير أرشيفية عن حياته، حملت في عيون ‏المشاهد السوري ذاكرة من الغبطة الممزوجة بألم ذاكرة حالمة، ورغم ما حملته من تصوير مجاري للحاكم، ‏إلا أنها حملت روح رومانسية الأيام الغابرة لتلك الأجيال، حتى بمعتقلاتها وإقصاءها للثورات الداخلية ‏وقيامها بدور الوكيل عن المجتمع المدني… وتبقى الخارجية السورية عنوانا أفاقاً في تاريخ سوريا.‏zz

فالشرع وطاقمه السياسي أعلى دائما من كرامة السوري في الخارج، وجعل من الدولة الصغيرة، رقماً ‏صعباً في الحرب الباردة… كما جعل من الشارع العربي ينظر بحسد للقيادة السورية خاصة في إدارتها ‏للأزمات القومية، وخاصة، “عاصفة الصحراء” الأولى… وانتهاءً بدور سوريا في مجلس الأمن وتصديها ‏لمشروع قرار الحرب على العراق… وخطابات رئيس سوريا الشاب في القمم العربية، وبروز الوجه ‏النسائي اللافت للسيدة أسماء الأسد برفقه الرئيس في أغلب زياراته الأوروبية.‏
مجمل تلك الأمور والأحداث، قدمت استمرارية لتألق وجه سوريا في السياسة الخارجية… لكن السؤال ينبع ‏هذا العام، أين الخارجية السورية وأين حنكتها؟

امتازت الخارجية السورية دائما باستقلاليتها عن الوضع الداخلي، الذي امتاز دائما بالتعتيم الإعلامي، ‏والإغلاق الفرضي لأحداثه ومتغيراته، لكن العام الحالي والعام المنصرم تميز بتداخل الوضع الداخلي ‏بالوضع الخارجي. فمساعي الحكومة الدءوبة للدخول في الشراكة الأورومتوسطية ومنظمة التجارة ‏العالمية، “أي الدخول ضمن الأسرة الدولية الجديدة بمفاهيمها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتنموية”. ‏فرض عليها حتمية الدخول في غمار الفكر الاجتماعي والتماس مع الحركات الاجتماعية السورية ‏المتواضعة، والمثقفين الإصلاحيين المعزولين والمنفيين قسراً داخلياً، والمعارضة الهاربة للخارج، ‏والأحزاب والحركات القومية غير المصرح بها. بالإضافة لمراجعة دورها الإقليمي في المنطقة، من خلال ‏مجاورتها للدولة الأميركية في العراق، والكونفدرالية الكردية المزمع إقامتها في المنطقة، والصهيونية ‏المتزايدة حتى في معسكر السلام الإسرائيلي، وتمرد الدول العربية الصغيرة الحجم عن خط سياسات الدول ‏العربية الكبيرة، وإقرار مشروع قانون محاسبة سوريا. ‏

رأي شلومو بروم:‏‎ ‎‏ ‏
‏”السؤال الذي يطرح نفسه: هل باستطاعة بشار الأسد اتخاذ القرارات الحقيقية، منها ما يمكن أن تشذ عن ‏مواقف والده؟ ‏
تحيط ببشار، مجموعة من القيادة القديمة التي كانت بجوار والده، والبعض يقول إنهم يتحكمون به بالفعل, ‏حتى الآن لم يتحقق أي من وعود الإصلاح أو التغيير التي قطعها الأسد على نفسه, الإصلاح الداخلي توقف ‏بعد ما كانت بعض المصطلحات حول حرية التعبير والتنظيمات السياسية لا تتوافق وتطلعات القيادة القديمة, ‏الوعود التي قطعها على نفسه بإغلاق مكاتب‏‎ ‎التنظيمات اتضحت أنها فارغة”‏‎.‎
‏”أمر رجال التنظيمات الفلسطينية بالتوقف عن الظهور على الملأ، لكن في ما عدا ذلك لا يوجد أي تغيير في ‏نشاطاتهم في دمشق, الولايات المتحدة تشتبه في أن سورية لا تتعاون بصورة كاملة لمنع تهريب ‏المساعدات للقوات في العراق التي تدير حربا إرهابية ضدها, قضية أخرى هي موقف الأسد نفسه من ‏إسرائيل، حيث لا توجد أي دلالة على أن موقفه غير منسجم وموقف والده، ويمكننا أن نقول أن موقفه من‎ ‎إسرائيل أسوأ من موقف والده، وهذا ما يمكن فهمه من تصريحاته القاسية ضد إسرائيل،‎ ‎وعلاقاته الوطيدة ‏بحزب الله”.‏

وبابتعاد عن آراء الباحثين يمكن للمواطن العادي قراءة التخبط الإعلامي الخارجي السوري، وتعدد مدارسه، ‏وكمثال الأزمة الكردية في سوريا:‏
‏-‏ أشار الرئيس الأسد في مقابلته مع قناة الجزيرة، إلى عدم وجود يد خارجية في أحداث القامشلي ‏والأزمة أزمة قومية داخلية.‏
‏-‏ في لقاء مع وزيرة المغتربين السورية “المترجمة السابقة للأسد الأب، والقريبة جداً من الأسد ‏الابن” بعيد مقابلة الرئيس مع القناة المذكورة، أشارت لوجود أيادي خفيه في أحداث القامشلي، ولا ‏وجود حقيقي لأزمة قومية.‏
‏-‏ صرح العماد مصطفى طلاس المستقيل من منصبه طوعاً بعيد مقابلة السيدة شعبان، إلى وجود ‏دراسة لتقديم 20ألف هوية لبعض الأكراد، والاعتذار عن تقديم أية بطاقات شخصية لبقية الأكراد ‏المكتومين أو الأجانب. ‏
وفي أزمة العلاقة مع الولايات المتحدة:‏
‏-‏ حملت تصريحات وزير الخارجية المخضرم فاروق الشرع، طابع الحديّة من ساسة البيت الأبيض، ‏وتهجم في أكثر من موقع على صقور الولايات المتحدة.‏
‏-‏ وبالمقابل تغنت مقابلات وزيرة المغتربين والرئيس الأسد بعبارة نحن في حوار دائم مع البيت ‏الأبيض، وسيستمر الحوار. ويذكر أن السيدة شعبان قامت بحملة دولة وأميركية خاصة لوقف ‏إقرار قانون محاسبة سوريا، وفشلت في ذلك.‏
‏-‏ حمل خطاب مثقفي السلطة للداخل السوري، والعالم العربي المحيط. لغة الاستخفاف بالعقوبات ‏على سوريا، لدرجة وصف أن هذه العقوبات تؤثر على الولايات المتحدة وليس على سوريا. ‏
وفي الأزمات العربية:‏
‏-‏ امتازت قمة بيروت والقمة السابقة لها، بتقبل القادة العرب ولو بتحفظ لخطاب الرئيس الأسد الذي ‏لطالما تحدث عن المصطلحات، والضعف العربي والخنوع لمطالب إسرائيل والولايات المتحدة. ‏
‏-‏ وفي قمة تونس، حمل الأسد ورقته الرافضة لعبارة إصلاحات في العالم العربي، واستبدالها ‏بعبارتي “التحديث والتطوير” وآزره في هذا الأمر فقط المؤازر الدائم لحود من لبنان. وذكر عن ‏خلاف واسع بين الرئيس المصري والسوري حول هذا الأمر، دفع الأخير لعدم حضور الجلسة ‏الختامية، وقبل تخلف الرئيس المصري سبقه في هذا الأمر عدد من الدول العربية صغيرة الحجم ‏قوية الصوت وطبعاً الزعيم الليبي.‏
وفي الشراكة اليورومتوسطية:‏
‏-‏ يسألني بائع الفول أبو عبدو كونه يعرفني صحفي، ألم توقع الشراكة مع أوروبا!!.‏
‏-‏ سؤال أبو عبدو هذا سؤال الشارع السوري جميعه، ففي كل اجتماع مع الأوروبيون، نرى الإعلام ‏الرسمي يقول سنوقع الشراكة في الاجتماع المقبل، ولا يحصل جديد.‏
‏-‏ وفي ظل تردي حقوق الإنسان وعدم تحسين معدلات المعيشة والبطالة وتحسين دور المرأة في ‏المجتمع، وإقرار قوانين لتشجيع الاستثمار، تأتي طروحات الأوروبي بخصوص الأسلحة السورية ‏رصاصة الرحمة للشراكة.‏
ومن خلال مجمل هذه الأمثلة. ندرك عجز الخارجية السورية بمدارسها المتعددة والغير مترابطة فيما بينها، ‏عن الإقرار بفشلها أمام الأميركي والأوروبي معاً، ولعلها ستكتفي بحليفها التقليدي الشيعي الإيراني ‏وامتداده الشيعي العراقي واللبناني، وتتوافق بمصالحها مع العشائر العربية العراقية، والقيادة التركية ‏المعادية للقومية الكردية. ولكن إلى متى!!…‏

ربما الخارجية السورية فقدت أنيابها… ويبقى الرهان هل ستفقد زيرها…!!!.‏

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s