تقرير- الحكمانية وسوريا

بقلم: عصام خوري

22/7/2004

الثورة الإصلاحية التي حملتها أقلام عديدة من الكتاب والمحللين والمفكرين جعلتنا نرى في مفهوم الإصلاح مفهوماً يقترب نوعاً ما من مواسم هداية الإنسان الجائع للغذاء، لكن الإنسان العربي سيظل جائع في نظرهم ورغم كثرة المواسم.
وليس غريبا على المواطن العربي ونخبة الرابية بعقلية المؤامرة، أن تنظر لهذا المفهوم على انه بدعة من الخارج، هدفها تشويه الواقع العربي، وصهره ضمن الأجندة الاستعمارية الغربية. خاصة وأن رؤى الهيمنة عبر تاريخها الطويل، لم تقدم بذوراً حية للتطور، ويبقى أي تطوير تحمله لمستعمراتها توابل لطعام فاسد.

11150447_974335789277986_6911806069903786163_n
فالحكمانية أو ما يمكن تسميتها “الحكم الرشيد” بمقوماتها التي تستند لمفاهيم الشفافية والمساءلة والديمقراطية.

حقيقة بعيدة عن ثقافتنا الاجتماعية والسياسية، وعزز من بعدها إقصاء الشعوب العربية من قبل حكوماتها عن محاكاة الآخر والتعرف عليه. فالإغلاق الفرضي للشارع العربي حرمه من التطور، وعزز ممارسات التقوقع التي تفرز حقيقة، تزمتاً وحقداً وتخلفاً منقطع النظير. ولعل الخوف من إسرائيل الدولة الاستيطانية الجديدة في المنطقة صاحبة النفوذ والاتصالات الخارجية بكادر الموساد العالي الأداء، ساهم لحد كبير في تعليق الإبداعات العربية وتقويضها بمصالح الثورة والوحدة العربية و…
ونحن نتذكر تماماً حوادث تتعلق بمنع احتراف عدد كبير من اللاعبين الرياضيين العرب في الخارج، ومنع ضباط عسكريين من السفر رغم ضعف المعلومات والعتاد العسكري العربي، وبالمقابل منع وصول خبرات عالية من الخارج لدعم المؤسسات، والاكتفاء بالخبرات التقليدية أو خبرات من الدول التي تساند قضايا الثورة و…
وحين نقارن مجمل الدول العربية بدولة عربية صغيرة اعتمدت سياسة الانفتاح كلبنان، ندرك هول الفاجعة ومسافة اللاحكمانية في علاقة الحكومات العربية بشعوبها. حيث يجمع المثقفين العرب على تسمية لبنان “برئة الأمة العربية” رغم كل ما أصابه من الحرب الأهلية والعدوان الصهيوني المتكرر على أراضيه واحتضانه لجالية كبيرة من الفلسطينيين النازحين عن أراضيهم الأصلية، بالإضافة لضخامة العمالة السورية في اقتصاده.
ولا ريب أن فقدان العدالة القضائية، والغياب الأخلاقي للسلطة الرابعة يؤديان لزوال أية رشادة في الحكم. فما بالنا إن كانت السلطة القضائية موتورة بقوانين الأحوال العرفية، والسلطة الرابعة بيد الحكومة التي اعتادت على رفض الآخر أو عدم وجوده أصلاً.
وبالإضافة للجانب السياسي، هناك العقلية العربية الإتكالية، المعتادة على عبادة الشخصية الحاكمة سواء أكانت في أحزاب سلطة أو معارضة أو في المنظمات المدنية والنقابات. وهذا يجعل معيار الطاعة للكارزما وأفكارها معيار الرشادة العربية، ويجعل من عنصر الأمن والمواطن السطحي مثالاً فاعلاً ومؤثراً أكثر من الأستاذ الجامعي القادر على التحليل واكتشاف الأخطار وطرح بوادر المساءلة والشفافية وروح الديمقراطية.

الأنموذج السوري:
بما أن القيادة السورية رفضت مصطلح الإصلاح في قمة تونس العربية، وطالبت باستبداله بعبارة “التحديث والتطوير”، نود قراءة ظروفه وفق المعطيات الإقليمية والعالمية والداخلية المنيطة بحكم سوريا:
o الإصلاح في ظل قانون محاسبة سوريا:
لعل قانون محاسبة سوريا وفي معطياته الحالية، لا يؤثر حقيقة على الاقتصاد السوري نتيجة ضعف التبادل التجاري بين الدولتين، وكون سوريا بلد متنوع الخيرات “بلد الفصول الأربعة” يغدو قانون محاسبة سوريا ضعيف من حيث الواقع الفعلي.
لكن خطورة هذا القانون تنبع من نقطتين أساسيتين:
الأولى، تقويض حركة الدبلوماسية السورية في داخل الولايات المتحدة، وحرمان سوريا من توصيل رأيها لصناع القرار العالمي.
الثانية، وهي أن تسعى الولايات المتحدة بشبكة علاقاتها الاقتصادية العالمية لتحقيق إتلاف عالمي لفرض قانون محاسبة سوريا.
والخطوة الثانية. هي الأخطر وإن لم تنفذ حالياً بسبب ظروف إقليمية تتعلق بالوضع الأميركي في العراق، وإشكاليات الانتخابات الرئاسية بين الجمهوريين والديمقراطيين.
 الإصلاح في ظل استمرار غياب الخطوة الثانية:
ربما تستمر حركة الإصلاح والتحديث التي طرحها الرئيس الأسد منذ خطاب القسم غداة تسلمه السلطة، على نفس الوتيرة من البطء والتخبط، وتستمر أراء الإصلاحيين من داخل الحكومة السورية بين طروحات الإصلاح الإداري أو…
وتأتي النتيجة تغير في هيكلية الفساد الحكومي، ويستمر الفساد أو تتغير زعاماته.
ويصبح أي انجاز حكومي فعلي هدفه الأول تبرئه نفسه من أثر المطالب الخارجية وخاصة الأميركية، مما سيبطئ من تنفيذه.
 الإصلاح في ظل تحقيق الخطوة الثانية:
الضائقة الاقتصادية قد تفرض ظروف تغيير قسريّة على نهج الحكومة السورية، وهذا قد يؤدي لاحتمالين:
1- تضيق كبير تجاه أيّة حركات إصلاحية يطالب بها الشارع أو حتى الإصلاحيين السلطويين من قبل السلطة نفسها وإن لمدة غير كبيرة لكنها ستكون مدة قاسية جداً على الشارع والحكومة معا.
2- تحقيق انفتاح كبير تجاه الشارع، وكافة قوى وأطياف المجتمع المدني وقوى المعارضة السورية وإشراكها في سياسات الإصلاح.
وفي كلا الاحتمالين ستخسر جهات متعددة من السلطة النافذة كثير من سلطاتها، وقد يؤدي ذلك لبلبة في الشارع السوري، وانعدام استقرار أمني، وتضرر كبير في مصالح التجار السوريين. وعلينا دائما معرفة أن: “انعدام الاستقرار التجاري يولد انعدام الاستقرار أمني، وليس العكس”.

o احتمال الغزو الخارجي على سوريا:
بعيد التجربة العراقية، تغدو مخاطرة الهجوم الأميركي على سوريا ضئيلة، فالشارع العالمي والأميركي لا يحتمل هزات دموية جديدة، وتبقى فكرة الغزوات بعيدة عن صيغ الاحتلال التقليدي، وقد تتحول إلى ضربات جوية تحذيرية، ولعل الفاعل فيها سيكون الجانب الإسرائيلي. وانعكاس ذلك على المجتمع السوري سيولد شعوراً وطنياً هائلاً، وردة فعل شعبية ستنسي القيادات نفسها ضرورات الإصلاح، وبدورها الحكومة ستعلي من شأن الخطر القومي تجاه أية حركة إصلاحية.
وفي هذا الجانب نتمنى قراء المادة التالية “مؤسسات اليمين والشرق الأوسط”:
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?t=0&userID=377&aid=9041

o احتمال المصالحة الأميركية السورية:
وهذه المصالحة لن تتم بدون تقديم تنازلات كبيرة من قبل الحكومة السورية الرجاء مراجعة “مؤسسات اليمين والشرق الأوسط” للاضطلاع على كم التنازلات ونوعيتها وفق المطالب الإسرائيلية، وهذا بطبيعة الحال سيحول عملية الإصلاح والتطوير لعملية مشابهة للتجربة المصرية إبان توقيعها على اتفاقية السلام الإسرائيلية المصرية، ولكن المختلف هنا أن الشارع السوري لن يكون شديد النقمة على الحكومة كما كان الشارع المصري آنذاك.
وهذا بدورة قد يخلق فرص استثمارية في المنطقة ونشاط كبير لمؤسسات المجتمع المدني، التي لن تمنح أريحية كبيرة في عملها، وتصبح عمليات الإصلاح عمليات خصخصة للقطاعات العامة. وفي هذه المرحلة سيلاحظ نشاط كبير للتيار السلفي الأصولي، وتزايد ديموغرافي كبير، مما يجعلنا نشاهد استنساخ حقيقي للتجربة المصرية، التي تعاني حالياً أزمات كبيرة تجاه عمليات الإصلاح.

شروط الإصلاح:
إن أية خطوة إصلاحية ستغدو منقوصة في ظل غياب مصداقية السلطة الرابعة، وغياب شفافية قضائية:
1- أي إطلاق الحرية للصحافة المحاسبة للخاطئ وتقديم حصانة صحفية لفضح بؤر الفساد.
2- إيجاد كادر قضائي نزيه، وتقديم رواتب مغرية له.

o آليات الإصلاح الممكنة وفق استمرار “قانون الطوارئ”:
– فرض محدودية النسل.
– السماح بالزواج المدني، مع استمرار الزواج التقليدي الديني.
– وقف نشاط كافة الحركات التبشيرية الدينية من كافة الطوائف، لأنها باتت ترخي تعصباً في الشارع السوري.
– القيام بتغيرات دستورية، والاستعانة بخبرات خارجية. ويذكر بأن الحكومة الإسرائيلية المعلنة منذ عام 1948 تسعى حالياً لإقرار دستور بمساعدة منظمة “محامين اليهود العالمية”، في حين الحكومة السورية تستند للقانون الفرنسي المعد منذ أيام الانتداب الفرنسي، مع اعتماده على بعض القوانين التي تناسب الشريعة الإسلامية.
– السماح بتراخيص لبعض مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة تلك المعنية بالجوانب الخدمية والبيئية والثقافية والفنية والصحية…
– السماح بإشادة مؤسسات تعليمية وثقافية بلغات القوميات المختلفة، وتحت إشراف وزارة الثقافة والتعليم العالي السورية.
– تقديم حصانة لكافة المستثمرين من الخارج.
– تحديد ملاك كل مؤسسة حكومية، وتحديد سوية كفاءات كل العاملين وفق الجدول الوظيفي وبإشراف لجنه خاصة من كل وزارة، على أن يصرف العاملين الإضافيين مع تمرير نصف رواتبهم لحين إيجاد وظائف مناسبة.
– إيجاد لجنة رقابة وشكايات في كل مؤسسة مهمتها تسهيل المعاملات وتخفيض البيروقراطية.
– زيادة فرص الإقراض للمواطنين، وتخفيض فوائدها.
– تخفيض فترة الخدمة الإلزامية لمدة السنة الواحدة.
– تخفيض بدل الخدمة العسكرية للنصف.
– إلغاء الخدمة العسكرية لذوي الياقات البيضاء من السوريين في الخارج.
– تحديد السوية العلمية كأساس للمناصب.
– فرض شرط الشهادة الجامعية كحد أدنى لأعضاء مجلس الشعب.
– زيادة الإنفاق العلمي على مشاريع الطاقة النظيفة.
– التركيز على الحملات الترويجية، بمجالات السياحة والتراث والبيئة.
– تشجيع السياحة الداخلية، والقيام برحلات دورية داخلية، وعلى نفقة مديرية السياحة والآثار والمتاحف.
– تعزيز دور المؤسسات البيئية، والعمل على وقف التصحر، وزيادة عدد المحميات.
– تعزيز دور مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية، وإعداد مسابقات تحفيزية في مختلف المجالات.
– تعزيز دور حوار الأديان، ولقاء القوميات.
– زيادة الإنفاق على مجال التعليم، وخاصة التعليم الأساسي، ومكافحة ظاهرة التسرب الطلابي.
– إدراج الأتمتة في كافة دوائر الدولة، وخاصة التعليمية منها.
– إيجاد لجان تخطيط استراتيجي لتنفيذ المشاريع الخدمية، لهدف الحد من الهدر.
– العمل على إلغاء المركزية.
– الالتزام بالعمر التقاعدي.
– الإفراج عن المعتقلين ولو بشكل دوري وعلى دفعات صغيرة، مع مراعاة الجانب الصحي.
– السماح بعودة المعارضة الخارجية.

o الإصلاح مع غياب “قانون الطوارئ والأحكام العرفية”:
لعل غياب هذا القانون، يعني غياب لثقافة الحرس القديم الذي يجمع المثقفون على وجوده، فبتالي زواله لن يتم بالسهولة المرجوة، فالبلبلة وعمليات التصفية بين الأجهزة الأمنية المختلفة ستفعل دورها وترخي أثرها البالغ على الاستقرار الأمني الذي طالما عاشته سوريا في ظل الحكم الأسدي. ولعل إقرار هذا القانون سيكون متأخر جداً عن إقرار خطوات إصلاحية. هذا طبعاً في حال وجود مصالحة للنظام السوري مع البيت الأبيض.
وحتى في حال انتقال كرسي البيت الأبيض للديمقراطيين، فإن خطوات الإصلاح ستكون حتمية على الحكومة السورية. ويذكر بأن المرشح الديمقراطي جون كيري أرسل رسالة أواسط حزيران لمنظمة إيباك الصهيونية في أميركة يعلن تأيده للجدار الفاصل، وعدم عودة النازحين الفلسطينيين عن أراضيهم، ومهاجمة التنظيمات التي تهدد استقرار إسرائيل، وتأيده لبقاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وتأيده لسياسة الاغتيالات الإسرائيلية، وهاجم سياسة المملكة العربية السعودية وإيران حليفي سوريا حالياً، كما أكد على أهمية نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s