المريخ ووزراء العالم الثالث

بقلم: عصام خوري

25/12/2007

images (4)

خلال الحرب الباردة، تنافس الندان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على اختراق الفضاء، والأسبقية العلمية في الوصول للقمر، ويحكى أن الإنسان وصل للقمر، لكن وثائقيات عديدة بينت أن هذا الأمر تم عبر معالجة في الصور من قبل استوديوهات هوليود، بغية إشعار المنظومة الاشتراكية بتخلفها العلمي عن الولايات المتحدة.


لكن ومع انتهاء الحرب الباردة وتفرد الولايات المتحدة لوحظ ضعف الإنفاق العلمي في مجال غزو الفضاء وكشف أغواره، لا بل باتت “ناسا” تشرك في إنفاقها العلمي عديد من الدول الأوروبية.


إلا أن الحدث الجديد واللافت الآن، تصريح وكالة أبحاث الفضاء ناسا رغبتها في إيجاد متطوعين لرحلها نحو كوكب المريخ، وطبعا هذا التوجه لم يتوجه نحو رواد الفضاء الأميركيين أو الأوروبيين، لأن عرض التطوع يرافقه مبلغ يومي لكل متطوع وقدره “120$ يوميا” ولا يتسلم المبلغ إلا في حال عودته للأرض.
مما يجعل المدخول الشهري للمتطوع في حال عاد للأرض “3600$” وهو مبلغ من الوارد جداً أن يحققه الأوروبي أو الأميركي في الشهر بدون مغامرة زيارة القمر أو المريخ أو عطارد.
لذا سيكون هذا التطوع مخصص لبلدان العالم الثالث ورواده….!! وهنا يبدأ مقالنا ودور القطاع الوزاري فيه:
لقد دعيت دول العالم الثالث بدول العالم النامي تهذيبا لصفة الرقم.
إلا أن المعيار الرئيسي في تصنيفها، ليس ناجم فقط عن تخلف منظوماتها الديموقراطية والمؤسساتية والإنمائية وعدم استقرار أسواقها، وتدني مستوى الحريات الاجتماعية والثقافية والرعاية الصحية وغياب الضمان الصحي، وتدني الإنفاق العلمي والتعليمي، وغياب التخطيط الرشيد في هياكل مؤسساتها، وغياب المحاسبة، واختفاء معيار الشفافية من تصنيف دوائرها كافة… إنما للسبب الأكثر وضوحاً فيها وهو الفقر الذي يسبب في حال غياب معالجته جذريا كافة الأمراض السابقة وغيرها، مما استدعى الأمم المتحدة أن تضعة في أول برامجها من برامج الألفية.
إن هذه البلدان بحق تشكل مناخاً خصبا لتنامي البطالة وتزايد الفجوة المادية بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء، وهو المؤشر الأعلى في تراجع دور ووجود الطبقة الوسطى في هذه البلدان، حتى اختفائها مستقبلاً.
لذا سنفكر من قد يسافر نحو المريخ من دولنا، ولنركز على أمر هام “إنه لو عاد المتطوع من المريخ وكان من بلدنا، لكان حدثا سنذكره كل وسائل الإعلام، وسيدون في موسوعة غنيس للأرقام القياسية لحين زيارة متطوع آخر ومن بلد آخر للمريخ، لذا فألق هذه التجربة سيستمر عقودا وربما قرونا، وفي حال اختفى هذا المتطوع وكان من بلدنا، فسيكفينا فخراً أن أحد أبناء جلدتنا ومن بلدنا قد داس على أرض المريخ وربما تبول عليها مما سيساهم في توفير السماد العضوي للنبات الذي سينمو يوما هناك، فستكون ربما مياه الفيجة أو الفرات أو السن انتقلت لتغزو أرض المريخ… والله سيكون خطباً عظيماً، فجميعنا نذكر عبارات المعلق الرياضي المرحوم “عدنان بوظو” الذي كان يعلق على لحظات سفر الرائد الفضائي الوحيد في سوريا “محمد فارس” في منحة من قبل الاتحاد السوفيتي  (الله معك يا فارس…. سوريا معك كل سوريا معك، الله يحفظك يا فارس…)
لكن محمد فارس وبعد سفرته الوحيدة نحو الفضاء لم نشهده سوى مرتين على التلفاز، واختفت كل أخباره، واكتفى التلفاز السوري بذكر أنشطة الوزراء والقيادات الحاكمة وحدها، مع الأخبار التقليدية حول العالم.
وطبعا لا تختلف الأخبار عندنا عن بقية دول العالم الثالث، فالمواطن العادي فيها هو الأقل حظا في التغطية التلفازية والإخبارية.
فحتى يخلد اسم من سيسافر نحو المريخ يجب أن يكون من مكانة أعلى من مواطن عادي وذلك لعدة أسباب نذكر منها:
1. لو سافر مواطن عادي وهو على الأرجح فقير، فإنه سيحصل شهرياً على مبلغ 3600$ وهو مبلغ هائل في هذه الدول، فقد يفقد رشده ويبهدلنا في الفضاء، وهو أقسى من أن تحتمله هذه الدول، وشعوبها.
2. لو لم يفقد رشده هذا المتطوع الفقير، فإنه قد يعود للوطن لكن بعد عدد كبير من الأعوام، وعندها سيصبح فاحش الثراء والشهرة، وسيكون من نخب الأغنياء في بلده، وقد يقصي الكثير من السياسيين عن مناصبهم، وهذا لا يناسب القيادات في هذه البلدان، لأنه لا يوجد أقسى من شخصية الجائع الذي يصبح غنيا.
3. لو كان المتطوع حكيماً ومثقفاً “وغالبيتهم فقراء أو من الطبقة الوسطى”فإنه سيسبب أزمة علاقات بين بلداننا والولايات المتحدة، فلو نجح وجوده على ارض المريخ، قد يرفض العودة منها، فستصور وكالة “ناسا” أنه أصيب بالخرف نتيجة الأبعاد المغناطيسية، أو السفر المضني، مما لا يخدم الهدف العلمي، وقد يعرقله.
4. أما لو كان المتطوع من المعارضة في إحدى البلدانه ومن دون أدنى شك سيستقر في المريخ ويعده أرض اللجوء السياسي الأمثل، مما يخسر وكالة ناسا الغزير من رسائل الانتقاد لحكومة بلده، وقد تضطر الحكومة الاميركية لإسقاط نظام بلد هذا المتطوع، كي يرضى العودة للأرض والتثبت من نجاح هذه التجربة، أو سيضطر حاكم البلاد تمويل سفرة للمريخ يرسل فيها أحد عناصره الأمنية لتصفية هذا المعارض، مما يؤدي لخسائر مالية بالغة لهذا البلد النامي، يدفعها مواطنوه من خلال جدول ضرائب منوع ومغنج.
ومن هذه الأمثلة سنضطر لنفي كافة احتمالات وجود متطوعين من النوعيات سالفة الذكر، وبما أن حكام البلاد والقيادات العليا يحبون وجود شخصيات تمتدحهم أينما ذهبوا، فإن الأجدى إرسالهم عناصر تؤدي هذا الغرض، ومن هذا الواقع لدينا احتمالين هما:
أولا: عناصر مستفيدة جداً، ولكنها غير ظاهرة إعلامياً: ومن عادة هذه الشخصيات أنها لا تحب الأضواء والشهرة، فهي من عادتها صنع المشاهير، لذا ستكون هي الأبعد عن التطوع.
ثانيا: الوزراء في هذه البلدان: فمن طباعهم التمتع بالأضواء، وإجادتهم التمتع بالحركات أمام الكاميرا، وعدم الرغبة في الوصول إلى سدة الحكم ، بالإضافة إلى إخلاصهم الدائم وأحيانا المصطنع للحاكم، ورغبتهم السريعة بجمع المال، فقد يعود هذا الوزير المتطوع للأرض مجرد وصوله سطح المريخ، خوفا أن يخسر وزارته، مما سيسبب نجاح كبير وسرعة لهذه التجربة.
وبدوره الوزير المتطوع، قد يطوع سفرته لترسيخ أقدامه على كرسيه الوزاري أعوام وأعوام…
ولعل أهم ما يميز تميز الوزراء بهذه السفرة. أن المواطنين ولربما القيادات لن تزعل أبداً إن ضاع هذا الوزير في غياهب هذا الكون، فالمماثل له موجود دائما سلطوياً. وفي أسؤ الأمور رسميا سندعوه شهيد الأمة و”الله أكبر”
لكن هل سيعوض مبلغ 3600$ شهريا، راتب الوزير المتطوع مع كم الحوافز المادية التي تتناسب وكم نجاحاته في بلاده!!!…

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s