شيوعي بالنسبة للاميركيين ومنشق بالنسبة للسوفيات. يهودي بالنسبة لمعادي السامية وكاره لنفسه بالنسبة لمعظم اليهود

08/05/2003

بقلم: عصام خوري

طائر في زمان الهيمنة

اعتبرته محطة “CNN” الإخبارية العالمية بأنه أهم نقاد السياسة الأمريكية. نعتته منظمة (أبناء العهد) اليهودية ذات الميول الصهيونية، بأنه أشد مواطني الولايات المتحدة الأمريكية عداء لإسرائيل، ووصفه البعض بأنه يهودي يكره ذاته(لا سامية الأنا).a287a104fe6c15577bf5fbc9050e8dd4
نعوم إفرام تشومسكي مواليد عام 1928م والحاصل على درجته العلمية في اللغويات عام 1951م من جامعة بنسلفانيا. في عام 1957م نشر مؤلفه الهام “البناء السياقي” الذي أحدث ثورة في علم اللغويات الحديث، واعتبر التجاوز الأساسي للبنيوية في مجال اللغويات.

ومن أهم أعماله الأخرى في هذا المجال: “اللغة والعقل” و”بعض جوانب نظرية السياق” و”القواعد والتمثيليات” و”دراسات سيمانطيقية في النحو التوليدي”. شارك في البداية في إعداد الشبان اليهود وإرسالهم إلى فلسطين (أي انه دعم الصهيونية في البداية) عبر مشاركته في منظمة “هاشومير هاتزائير” التي لم ينضم إليها بسبب تمرده. فقد كانت تحوي ماركسيين من التيار الستاليني وآخرين من التيار التروتسكي. وكان هو متمرداً على الاثنين معاً بالرغم من انه لم يكن يتجاوز العشرين من عمره. ثم بدأ خلافه مع الصهيونية بسبب دعوته للدولة ثنائية القومية. وهو تصور لإسرائيل يرده البعض إلى مرحلة الدراسة الإعدادية لتشومسكي. وهكذا كانت بداية صدامه مع الصهيونية بسبب رفضه المبدئي لفكرة الدولة اليهودية ـ الدينية.
سافر إلى إسرائيل بداية الخمسينات ليعيش لفترة في أحد الكيوبوتزات حيث اعتقد في الطبيعة الاشتراكية والإنسانية لحركة الكيبوتز. بيد أن الغشاوة انقشعت بسرعة عن عينيه وترك إسرائيل وعاد إلى الولايات المتحدة، حيث عمل عام 1955م في جامعة هارفارد، ثم انتقل ليعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجية وما زال يعمل به حتى الآن.
تكمن أهمية عمل تشومسكي بفضح أساليب الخداع الإعلامي ومحاولاته الالتفافية للتأثير على الرأي العام. مما يجعل تشومسكي كاتباً شديد الخطورة على كبار الكتاب والصحافيين الأميركيين. فهو يفضحهم ويحرجهم أمام الرأي العام ويقلل من فعاليتهم وفعالية أساليبهم أمام السلطة. وبذلك نجح في استجلاب عداء كبار الكتاب والصحافيين الأميركيين لكتاباته ولآرائه ولشخصه!.
قراءة في بعض كتابات تشومسكي السياسية:
1- قراصنة وأباطرة:
يروي فيها قصة محاكمة الإسكندر للقرصان وإجابة هذا الأخير:”أنت تسرق العالم فتدعى إمبراطوراً وأنا اسرق سفينة فادعى لصاً!؟”. انطلاقاً من هذه الحكاية يسرد تشومسكي المخالفات الأميركية للمبادئ الليبرالية وطريقة تغطيتها في مقابل ضجة إعلامية فائقة لأية مخالفة يرتكبها الآخرون. مثال ذلك يقول” عندما تقصف إسرائيل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين و عندما ترسل قواتها إلى داخل المدن اللبنانية فان ذلك يكون “مكافحة الإرهاب”. في المقابل فإنها حين تخطف السفن وتعتقل مئات الأسرى فان ذلك لا يكون إرهاباً!.
2- إعاقة الديموقراطية:
ويورد تشومسكي فيه مثالاً ساخراً على أحادية سيطرة الولايات المتحدة فيقول “من الأفضل أن يمد ثلاثة نشالين يدهم إلى جيبك على أن يمد نشال واحد فحسب يده”. وتدور الفكرة المحورية للكتاب حول دعم الولايات المتحدة للدول غير الديموقراطية التي تنفذ أوامرها وتخدم مصالحها. في حين تعمل على تقويض واحتواء الديمقراطيات التي تعارض مصالحها. وهو يورد على ذلك سيلاً من الأمثلة.
وفي ما يلي بعض من الانتقادات القاسية في كتابات  تشومسكي:
1 ـ بعد أن تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عسكرية عقب الحرب العالمية الثانية. قامت في العام (1947) باستبدال تسمية (وزارة الحربية) بتسمية (وزارة الدفاع)! .
2 ـ إن حكومة السلفادور المدعومة أمريكياً قتلت خمسين ألفاً من مواطنيها دون أن يركز الإعلام على هذه الابادة. لكنه ركز في المقابل على تقرير لجنة العفو الدولية إلى قتل بعض الدول لـ 15 من مواطنيها!؟.
3 ـ تستأثر إسرائيل منذ العام 1978 وحتى الآن بما يتراوح بين 30 و50% من مجمل المساعدات الخارجية الأميركية. مما يحولها إلى دولة متفوقة عسكرياً وتقنياً. مقبل عجزها عن تحقيق الاستقلالية والتنمية.
4 ـ يقول الصحفي الأميركي والتر ليبمان عام(1921):”ان فن الديموقراطية يتطلب صناعة الرضا والقبول لدى الرأي العام”. مما يعني برأي تشومسكي الاحتيال على الرأي العام للحصول على تأييده. وهو يعلن تفضيله الدعاية التي تدار بالقوة على هذا الاحتيال. لان الدعاية في الدول التي تدار بالعصا هي دعاية واضحة وغير إحتيالية.
5 ـ إن وجهة المصالح هي التي تقود السياسة الأميركية(في الداخل كما في الخارج) ومديرو هذه المصالح (سواء كانوا دولاً”مثل إسرائيل وإيران سابقاً” أو مؤسسات أو حتى أشخاص) يمكنهم أن يؤثروا في السياسة الأميركية. وفي هذا المجال يوحي تشومسكي بدور أشخاص مثل: توم واطسون وماك جورج بوندي وجيمس روستون في إسقاط الرئيس نيكسون عبر فضيحة “ووبرغيت”.
6 ـ إن الولايات المتحدة تقدم حمايتها للدول الخليجية بذات الطريقة التي تمارس فيها المافيا مبدأ الحماية(حتى يتمنى الزبون ـ موضوع الحماية ـ زوال هذه الحماية ومواجهة الأخطار بدونها).
7 ـ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي باتت الولايات المتحدة راغبة في استعراض قوتها العسكرية وقدرتها على التأديب. لذلك فهي تعرقل وتعارض أي حل دبلوماسي لأية أزمة. ويعدد تشومسكي كأدلة على ذلك: المعارضة الأميركية لحلول دبلوماسية في فيتنام ولاتفاقات كونتادورا وخطة أرياس للسلام في أميركا الوسطى(آب 1987) وكذلك الحلول السلمية للازمة العراقية الكويتية.
8 ـ في حال انعدام إمكانية استعراض العضلات الأميركية عسكرياً يتم اللجوء إلى الحرب الاقتصادية. التي يقول تشومسكي بأنها باتت ممارسة على نطاق واسع وبشكل يؤذي مئات الملايين من البشر.
بسبب هذه الآراء، وقائمتها تطول، أطلق ألكسندر كوكبورن نكتة تقول: “إن أعظم نكبتين في تاريخ أميركا هما: 1 ـ بيرل هاربير و2ـ ولادة نعوم تشومسكي!”.
خلاصة القول فان تشومسكي يبين بان العنف الأميركي الخارجي يتم على حساب خداع داخلي ومراوغة للشعب الأميركي. وهو ما بدأ ينتج عنفاً أميركياً داخلياً. ومن هنا ظواهر مثل هوس التسلح وما يؤدي إليه من جرائم. حتى إن شباب بوسطن لا يعتبر احدهم نفسه رجلاً ما لم يصب برصاصة…الخ من التحذيرات التي أطلقها تشومسكي قبل سنوات من انفجار أوكلاهوما الذي مثل قمة العنف الداخلي الأميركي.
وتأتي كتابات تشومسكي لتغذي كافة النزعات الفوضوية الأميركية(تصريحات زعماء الميليشيات البيضاء الأميركية القائلة بأننا نعادي الحكومة الفيدرالية لأنها واقعة تحت تأثير حفنة من اليهود… إننا نريد أميركا آرية ولا نريد أعراقاً أخرى في أميركا وخصوصاً اليهود) ولتثبت علاقة اليهود وإسرائيل بالأزمات الأميركية. ومعاناة دافع الضرائب الأميركي من جراء دعم إسرائيل. وبهذا يكون تشومسكي العدو الأكثر فعالية للصهيونية. وهو يستعد لحضور مراسم دفنها وهو في السبعين. وبهذا فان تشومسكي رجل يحب نفسه ويحب اليهود ويعمل على إنقاذهم من الصهيونية التي يكرهها. فهو إذاً كاره للصهيونية وليس لنفسه!. مع إن غالبية الإسرائيليين لا تزال مصرة على المساواة بين كره اليهودية وكره الصهيونية.
المراجع:
1 ـ روبرت بارسكي: نعوم تشومسكي ـ حياة منشق، ترجمة صالح وعكاش.
فصلت للدراسات والترجمة والنشر ت دمشق، 1998.
2 ـ نعوم تشومسكي: النظم العالمية قديمها وحديثها/تواريخ الانشقاق ـ مقابلات مع بارساميان، ترجمة محمد محمد النجار، الأهلية للنشر، عمان ، 1997.
3 ـ Chomsky .Noam: Deterring Democracy, New-York-
(نعوم تشومسكي: إعاقة الديمقراطية)London: Verso, 1991

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s