اقتصاد الكبار

يُعقد في مدينة دافوس بسويسرا منتدى اقتصادي عالمي كل سنة. وفيه يحصل أكبر تجمع للرأسماليين ورجال الأعمال الكبار وقادة الدول الكبرى والصحافيين والسياسيين. وهم يقررون مصير العالم الى حد كبير بمشاوراتهم، ومناقشاتهم، واجتماعاتهم، وفي التسعينيات خصص المؤتمرون إحدى جلساتهم لمناقشة الموضوع التالي: قوة الاقتصاد الياباني وكيفية محاكاته أو الاستفادة من نموذجه. 69956d6df40955a7de7bc0165054d59a
ولكن بدءاً من منتصف التسعينيات راح كل شيء يتغير. فالاقتصاد الياباني راح يشهد مرحلة ركود والاقتصاد الأوروبي بدا وكأنه فقد بريقه أو لمعانه. ولم تعد الولايات المتحدة تخشى منافسة اليابان أو ألمانيا لها وإنما منافسة دول جنوب شرق آسيا. وقد نوقشت أسباب النجاح المدهش لهذا النمو الآسيوي.


وحاول كل من اليمين واليسار أن يفسر ذلك لصالحه. أي لصالح نظرياته واطروحاته. فبعض منظري اليسار يعتقدون أن النجاح الاقتصادي الذي حققته كل من كوريا الجنوبية وتايوان عائد إلى إتباعهما نظرية المضاربات والودائع أو نسخة جديدة منها.
لقد اتبعت هاتان الدولتان نسخة جديدة من الرأسمالية نسخة تمزج بين القطاع الخاص والقطاع العام بطريقة لا يعرفها النموذج الانغلوساكسوني. وأما بالنسبة لمنظري اليمين فإن سبب النجاح مختلف تماماً. انه يعود إلى سيادة القطاع الخاص في كل من كوريا وتايوان وإلى الحد الأدنى في تدخل الدولة في الاقتصاد وإلى الضرائب المنخفضة، وإلى السوق الحرة. وكل هذه الأشياء مجتمعة أمنت امتيازات التفوق لهاتين الدولتين. وتوقع الخبراء أن يتوصل اقتصاد كوريا الجنوبية إلى مستوى اقتصاد انجلترا عام 2010. أي بعد سبع أو ثمان سنوات فقط. وبالتالي وفي ظل التنافس على السوق، ينبغي على الغرب أن يقلص نفقاته، ويشد الأحزمة حول بطون أبنائه، لكي يستطيع أن ينافس هذه النمور الآسيوية في المعركة الضارية للعولمة. وهكذا شعرت أميركا بأنها مهددة، ولكن التهديد كان أعظم بالنسبة لأوروبا. فأوروبا تعاني من البطالة أكثر من أميركا، وبالتالي موقعها سيكون أكثر صعوبة وهشاشة. خاصة وأن اليد العاملة في دول الجنوب وكذلك تكاليف الإنتاج ارخص بكثير مما هي عليه الحال في أوروبا. وبالتالي فما على أوروبا الا إتباع طريقين: إما أن توظف استثمارات كبيرة في الطرق، والبحث العلمي، والتنمية والحرف وإما أن تخفض رواتب موظفيها وعمالها وتقلل بالتالي من رفاهيتهم ومستوى معيشتهم. وإذا لم تفعل ذلك فإنها ستجد نفسها في آخر السباق الجاري حالياً على مستوى العالم. ولهذا السبب كان مؤتمر «دافوس» لعام 1995 يتأرجح بين الشعار التالي: التحديات التي تواجه أوروبا، والشعار الآخر: عولمة القيم الآسيوية.
ولكن في عام 1997 حصلت المفاجأة الكبرى وتعرض اقتصاد النمور الآسيوية للانهيار! وقد ابتدأ الانهيار في تايلاند أولاً، وكان على هيئة تخفيض العملة، وإفلاس البنوك، والانحسار الاقتصادي. وتم القضاء على المعجزة الاقتصادية الآسيوية في أيام معدودات. وانكشفت عندئذ مساوئ الرأسمالية الشرقية وفساد النظام الاقتصادي والسياسي. وأخذت أميركا عندئذ زمام المبادرة. وتبين للجميع أن دول شرق آسيا بحاجة إلى إجراء إصلاحات عميقة على نظامها أكثر من أوروبا. فهي بحاجة إلى الشفافية، وإلى الحرية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية وشهد الاقتصاد الأميركي عندئذ مرحلة انتعاش كبيرة أزالت جو التشاؤم الذي كان سائداً آنذاك بالنسبة للمجتمع والمراقب الأميركي.
سؤالي في هذا المقال لماذا دائماً تظهر نقاط الضعف للاقتصاديات وللدول، حينما تهدد دور اقتصاديات الولايات المتحدة الأميركية، الجواب للفهم…
منتدى الأغنياء دافوس (المنتدى الاقتصادي العالمي) هذا العام وبخطوة تتناسب مع المصالح العليا نقل مقر اجتماعاته، نحو مدينة نيويورك المدينة التي شهدت انهيار برجي التجارة في جزيرة منهاتن. وكان شعاره الأساسي “مكافحة الإرهاب”.
واشنطن جارة عاصمة مركز التجارة العالمية نيويورك، أعلنت عن دول محور الشر في العالم وفق المنظور الأميركي. فهي التي قضت على الماركسية اللينينية، وتوجهت بعد ذلك إلى نمور آسيا، والآن تبحث عن الأسواق المغلقة بوجهها، وتبحث عن مراكز الاستثمار المأمونة، وكل ذلك لا يعيقه سوى تواجد سياسات دول محور الشر الأميركية (كوريا الشمالية، كوبا، إيران، العراق، ليبيا، وسوريا بوضع خاص، مع وجود تنظيمات متفرقة في أنحاء العالم) وبما أن هذه الدول لا تعتمد في اقتصادياتها على بورصات وأسهم كونها ذات اقتصاد مغلق، لذلك فإن التغير الذي تقوده المصالح الاقتصادية العالمية بزعامة واشنطن، سيعتمد على نقاط ضعف لا تمس الاقتصاد فقط، بل ستعتمد على نقاط الضعف البشرية المتمثلة بغنى هذه الدول بالعرقيات والقوميات والإثنيات.
وبالتجرد عن كوريا الشمالية وكوبا ووضعهما الخاص، فإن الدول البقية مهددة بمشاريع تقسيم، لأنها مكان خصب لذلك والبداية كما هي المؤشرات في العراق. ومشاريع التقسيم سيكون أساسها استنزاف كافة الموارد الطبيعية وعلى رأسها مصادر الطاقة، وهدر الوجود البشري في تلك الدول، لأن الحياة فقط للأغنياء والثروات فقط للأغنياء. وليس مهماً أن تصبح دول العالم الثالث دول نامية أو دول عالم عاشر أو…
منتدى دافوس يعود إلى مدينته السويسرية لكن شعاره القادم ماذا سيكون…
ربما بعد القضاء على الفقراء من خلال المجاعات والحروب، سيحمل يوماً ما شعار “الغزو للفضاء” فالموارد هناك… 

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s